ليست كلُّ الرسائل تُقرأ مرةً واحدة…
فهناك رسائل، ما إن أفتحها، حتى تفتح معها أبوابًا من الذكريات، وتوقظ في قلبي مشاعر ظننتُ أنها هدأت، فإذا بها تعود نابضةً كما كانت.

في ذلك الصباح، فتحتُ الواتساب، فوقعت عيناي على رسالةٍ قصيرة، لكنها كانت أثقل من أن تُقرأ على عجل.

“أستاذة أمل… أعتذر منكِ لأنني سببتُ لكِ الإزعاج عندما كنتُ أرافق أمي في المستشفى وكنا في الغرفة نفسها. أرجو أن تقبلي اعتذاري… وأحببت أن أبشرك أن أمي خرجت من المستشفى، والحمد لله.”

توقفتُ طويلًا عند الجملة الأخيرة…
“أحببت أن أبشرك.”

لا أدري لماذا شعرتُ أن هذه الكلمات لم تُكتب بالحبر، بل كُتبت بدموع الفرح بعد أيامٍ طويلة من القلق.
وأخذتني الرسالة إلى تلك الغرفة في المستشفى…
كنتُ يومها مريضةً، ومن ذوي الهمم، أنتظر نتائج فحوصات قد تغيّر مجرى حياتي. كنتُ أحاول أن أتصالح مع خوفي، وأستجمع شيئًا من الطمأنينة قبل موعد المنظار.
وفي السرير المقابل كانت ترقد الخالة فاطمة…
امرأة تجاوزت الحادية والثمانين من عمرها، أنهكتها الأمراض، حتى غدت لا تقوى إلا على أنفاسٍ متعبة وصوتٍ خافت، بينما كانت ابنتها زينب لا تفارقها إلا قليلًا.
كنتُ أراقبها بصمت…
ورأيت في عينيها حبًا كبيرًا لأمها، حتى شعرتُ أنها لا ترى في الدنيا أحدًا سواها.
كانت تعدّل وسادتها، وتراقب جهازها، وتستدعي الممرضات عند أدنى تغير، وتسأل عن كل دواء، وكل جهاز، وكل إجراء.
لكنني كنتُ أرى شيئًا آخر…
كان الخوف قد كبر في قلبها حتى صار يتحدث نيابةً عنها.
لم تعد ترى إلا احتمال الفقد، ولم تعد تسمع إلا صوت القلق.
وفي أحد الأيام، التفتت إليَّ وقالت برجاءٍ امتزج بالاضطراب:
“أرجوكِ… ابقي مع أمي قليلًا حتى أعود.”
وافقتُ دون تردد.
قلتُ في نفسي: لعلها تحتاج إلى بعض الراحة، ولعل الله يجعل في ذلك أجرًا.
خرجت…
وطال غيابها.
وخلال تلك الساعات لم يتوقف هاتفها عن الاتصال بي.
كل بضع دقائق سؤال جديد:
“كيف أمي؟”
“هل استيقظت؟”
“هل جاء الطبيب؟”
“هل أعطوها الدواء؟”
كنتُ أجيبها بهدوء، رغم أنني أنا أيضًا كنتُ أعيش قلقًا خاصًا بي، وأنتظر نتيجة فحوصاتي.
ومع غروب الشمس عادت مسرعة.
اقتربت من سرير أمها، ثم نظرت إلى صينية الطعام، فوجدتها كما هي.
وفي لحظةٍ واحدة تغيّر كل شيء.
قالت بانفعال:
“أنتِ بلا رحمة… لماذا لم تطعمي أمي؟”
صدمتني كلماتها…
ليس لأنها رفعت صوتها، بل لأنها نسيت أنني مريضة مثلها، وأنني لم أكن مسؤولة عن والدتها.
نظرتُ إليها بهدوء، وقلت:
“هذه والدتك… وأنتِ أولى الناس بالاهتمام بها، وليس من حقك أن تلوميني.”
لم تجبني…
واكتفت بالاتصال بأخيها، تشكو إليه ما حدث.
لكنني سمعتُ صوته يقول لها بهدوء:
“هذه والدتنا… ونحن المسؤولون عنها، لا الآخرون.”
حينها شعرتُ أن أحدًا أنصفني، دون أن أطلب الإنصاف.
مرت تلك الليلة ثقيلة…
ثم مرت أيام قليلة، وظهرت نتائج فحوصاتي، وبدأت رحلة علاجي، وغادرتُ المستشفى، وأنا أظن أن ذلك الموقف انتهى إلى غير رجعة.
لكن بعض المواقف لا تنتهي…
بل تنتظر الوقت المناسب لتعود.
ومرت الأيام…
حتى جاءتني تلك الرسالة.
قرأتها مرة…
ثم أعدت قراءتها مرةً أخرى.
وكتبت لها:
“الحمد لله على سلامة الوالدة… بشّركِ الله بكل خير، ولا داعي للاعتذار، فما حدث أصبح من الماضي.”
وبعد دقائق وصلني ردها:
“أنتِ إنسانة محترمة جدًا… دعيني أخبركِ بشيء… أمي كانت كل حياتي، وكنت أخاف عليها خوفًا أعمى، حتى صار خوفي يسبق تصرفاتي. وكلما تذكرت ذلك اليوم تمنيت لو أنني احتضنتك بدل أن أعاتبك.”
ابتسمت…
وأدركتُ أن بعض الناس لا تسيء لأنها قاسية، بل لأنها موجوعة.
فكتبتُ لها:
“لا تلومي نفسك…
فالقلوب التي تُحب كثيرًا قد تُخطئ كثيرًا، لا لأنها تفتقد الرحمة، بل لأنها تخشى الفقد أكثر مما تحتمل.”
أغلقتُ الهاتف…
لكن الرسالة بقيت مفتوحة في قلبي.
وتعلمتُ يومها أن الاعتذار الصادق قد يأتي متأخرًا، لكنه يملك قدرةً عجيبة على تضميد جراحٍ ظلت صامتة، وإعادة الطمأنينة إلى القلوب.