د.محمد محفوظ

 على المستوى التاريخي لا يعرف أحد متى انتبه الإنسان لأهمية الأحلام في نوعه , و كونها رسائل تكشف إما عما يختلج بداخله من رغبات و احتياجات جدية و عقلية , مادية و معنوية , أو رسائل غيبية ذات محتوى أو مضمور تحذيري من شيء سيفعله أو سيقع له أو تبشره بخير سيحصل له أو تكشف له عن عالم لا يعرفه .

و لكن الأكيد أن الإنسان اكتشف مبكرا عالم الأحلام و بدأ يبحث عن تفسير ما يراه في نومه .

و في تاريخ الأنبياء نجد أن عددا من الأنبياء كان وحيهم عن طريق الرؤيا الصادقة . و أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قصة نبي الله إبراهيم ( ع ) مع ابنه . إذا قال تعالى [ فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما و تله للجبين * و ناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ]

و قصة رؤيا يوسف و كيف أن أباه حذره و نهاه من قصها على أخوته فيكروا له , لأنه علم بصدقها و قد تحققت فعلا بعد ذلك بسنين . و كذلك قدرة النبي يوسف على تعبير الرؤيا و قدر وصف السجينان يوسف ( ع) بأنه من المحسنين [ و دخل معه السجن فتيان قال احداهما إني اراني اعصر خمرا و قال الأخر إني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين] ..

و رؤيا رسول الإسلام ( ص) وثقها القرآن الكريم إذا قال تعالى [ الفتح 27 ] ..

و رؤيته كذلك للقردة ينزون على منبره فاستيقظ محزونا فنزل عليه القرآن مصدقا لما رآه قالت تعالى [ الإسراء 60 ] و قد فسرت رؤية القردة بنبي أمية الذين اغتصبوا الخلافة و أسسوا الملك العضوض .

و على ضوء ما ذكر أعلاه نستطيع القول : أن الرؤيا في المنظور الإسلامي حقيقية و لها علاقة بعالم الروح و علاقة الإنسان بالعالم الآخر و أن الرؤية الصادقة يراها المؤمن هي كما جاء عن الأمام الصادق [ الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة ] .

و روي عن رسول الله ( ص) قوله [ لا يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات قالوا يا رسول الله وما المبشرات قال الرؤيا الصالحة يراها الرجل لنفسه أو ترى له ] ..

و تنقل كتب الحديث أن الصحابي عبادة بن الصامت سأل رسول الله ( ص) عن قوله تعالى [ الذين آمنوا و كانوا يتقون , لهم البشرى في الحياة الدنيا و في الآخرة ] ( يونس 63ـ 64 )

فقال رسول الله ( ص) لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد غيرك هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له ] ..

فالإسلام يربط عالم الرؤيا بعالم الغيب و تأثيره على عالم الشهود ..

أما النظريات العلمية فهي لا تؤمن بالرؤيا كحقيقة لها علاقة بعالم الروح و الغيب و إنما فسرت وفق هذه النظريات بمكبوتات أو عوارض نفسية ذات أسباب عضوية تمر عبر الدماغ استجابة لما يتعرض له الجسد داخليا أو بتأثير خارجي فيترجم الدماغ ذلك على شكل هو و أحداث ووقائع لا حقيقية لها ..

و يقول الخبير العربي [ لوك وتنهوف ] في معجم الأحلام [ إننا نحلم بالقيام بالأمور التي لا يسعنا لأسباب مختلفة القيام بها في ساعات يقظتنا , لذل فنحن إنما نحاول أن نحقق في نومنا رغبات لا يمكن تحقيقها نهارا ] ..

و السؤال الذي لا يمكن أن يثيره هذه القول هو : إذا كانت الأحلام هي فقط هذا القسم الذي يكشف عن مخاوفنا و رغباتنا المكبوتة , فأين نضع الأقسام الأخرى من الأحلام أو الرؤيا التي تتحدث عن المستقبل , بماذا نفسر رؤية الأموات و التحاور معهم , بماذا نفسر الرؤية يراها الإنسان لغيره , لأخيه , لصديقه أسئلة كثيرة لا جواب لها دون اعتبار لعالمي الروح و الغيب .

و بالتالي فإن الإيمان الديني هو مفتاح الجواب على هذه الأسئلة و غيرها . و التفسير الإسلامي الذي تقدمه الأحاديث الشريفة عن حصول الرؤيا و طبيعة حركة الروح و امتدادها أثناء النوم هو الآتي :

فقد سأل الإمام علي ( ع ) عن حقيقة الرؤيا فقال [ إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة إلى السماء , فكل ما تراه في الأرض فهو أضغاث أحلام , فقال السائل : أو تصعد روح المؤمن إلى السماء فأجاب عليه السلام لا , لو خرجت كلها حتى لا يبقى منها شيء إذا لمات , فسئل كيف تخرج ؟ فقال ( ع ) أما ترى الشمس في السماء في موضعها , و ضوؤها و شعاعها في الأرض , فكذلك الروح أصلها في البدن و حركتها ممدودة ] .

فالرؤيا سواء كانت صادقة أو كاذبة إنما تحصل عن امتداد الروح في الآفاق الغيبية و هناك قد تلتقي بالأرواح و بالشياطين و تختلط بهما , و قد تقتل اللوح المحفوظ فتقرأ المستبل و قد يزودها ملك الرؤيا ببعض الرؤيا و ببعض ما هو مقدر لها في علم الله تعالى , و بعد رجوعها إلى الجسد يترجم ذلك بأدوات المخيلة فتحصل الرؤيا بأقسامها الصادقة و الكاذبة , الواضحة و المرمزة .

و سواء اقتربت هذه التفسيرات من الصحة و الواقع أو ابتعدت عنه فإن الإشكال يمكن في صعوبة فهم طبيعة الروح و حركتها و امتدادها و علاقتها بالجس\ أثناء النوم ..

و علماء التعبير دائما يؤكدون بأن الرؤيا يراها الانسان بالروح و يفهمها بالعقل و يمكن أن نلخص الرؤية الإسلامية حول الرؤيا في النقاط التالية :

1ـ الرؤيا من طرف الوحي , فقد كانت نبوة عدد نمن الأنبياء عن طريق الرؤيا الصادقة.

2ـ إنها وسيلة فلقها الله سبحانه و تعالى للإنسان تمكنه من الانفتاح على عالم الغيب , حيث تتجاوز الروح وسائلها المادية المحدود فتمتد أثناء النوم و تتمكن من الذهاب بعيدا في الآفاق المادية و الروحية .

3ـ مدخل للإيمان بالغيب و العالم الآخر و قد شبهت الأحاديث النوم بالموت و النشور بالاستيقاظ , و أثناء النوم قد يرى الانسان العوالم غير المادية التي تحدثت عنها الرسالات السماوية .

4ـ إنها استمرار للعلاقة بين عالمي الغيب و الشهادة .

5ـ وسيلة إخبار و إرشاد و تنبيه لما عليه الإنسان أو ما اقترفه من خير أو شر أو ما سيقدم عليه , و إخبار بحوادث المستقبل , كما وقع لملك مصر الذي رأى سبع بقرات عجاف يأكلون سبعا سمان فأولها النبي يوسف ( ع) بسنوات تحط مقبلة و اقتراح عليهم خطة تجنبهم المجاعة .

و على ضوء هذه الرؤية الإسلامية لظاهرة الرؤيا , فقد اهتم علماء الأمة بهذه المسألة . و ألفوا الكتب حول جوانبها المختلفة . فقد ألف الحسن بن الحسين الخلال كتاب طبقات المعبرين و ذكر فيه أسماء ( 7500) معبر . و من الأوائل ممن كتب في هذا العلم محمد بن سيرين صاحب التفسير المنسوب إليه و قد ذكر النابلي صاحب كتاب دار السلام مجموعة من الكتب في تعبير الرؤيا كانت موجودة و متداولة في عهده ( أي القرن العاشر و الحادي عشر الهجريين ) و منها استقى مادة كتابه ( تعطير الأنام في تعبير المنام ) و من هذه الكتب : كتاب القادري لنصر بن أبي يعقوب إبراهيم الدينوري , و كتاب ( الحكم و الغايات في تعبير المنامات ) لابن الدقاق المرئ , و كتاب ( المنتخب ) للشيخ أبي الحسين بن إبراهيم الخليلي , و كتاب ( الإشارة في علم العبارة ) للشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر التعبير ) لشهاب الدين أبي العباس أحمد المقدسي الحنبلي و ( الإشارات في علم العبارات للعلامة بن شاهين الظاهري . المصنفات المذكورة أعلاه , تنتمي إلى مدرية الخلفاء , أما المصنفات التي ألفت في المدرسة الإمامية فمنها : ( بلغة الشيعة الكرام في تعبير رؤيا المنام ) الميرزا محسن أل عصفور و كتاب ( دار الإسلام فيما يتعلق بالرؤيا و المنام ) المحدث حسينالنوري الطبرسي , و الشيخ محمد باقر المجلسي الذي خصص الجزء 61 من موسوعته بحار الأنوار للحديث عن الرؤيا , و الشيخ محمد تقي التستري صاحب كتاب ( آيات بينات في حقيقة بعض المنامات ) . و غيرها من المصنفات و المؤلفات .

و بعد هذه الجولة السريعة في التعريف بمكتبة الأحلام لدى المسلمين , نود في الختام التأكيد على النقاط التالية :

1ـ لا تترتب آثار شرعية على أحلام الإنسان . فالذي يحلم بزواج أو طلاق أو بيع أو شراء و كل المعاملات الأخرى , لا تترتب آثار هذه المعاملات في الواقع الخارجي .

2ـ ثمة ضرورة معرفية في فضائنا الاجتماعي , لتعزيز الفكر السنني , الذي يعتبر أن جميع ظواهر الوجود هي وليدة عالم الأسباب و المسببات .. و من المؤكد أن تراجع الفكر السنني في فضائنا الاجتماعي , هو أحد المسؤولين الأساسيين في انتشار ظاهرة الخرافة و الانشغال بالأحلام .

3ـ من الناحية السسيولوجية المجتمعات المقهورة , و التي تشعر بالاضطهاد و الظلم , و لا تمتلك قدرة فعلية على مواجهة هذا الاضطهاد , فإنها تعمل كوسيلة دفاعية إلى توسيع مقدسها ..

و بعد انتهاء الظروف الضاغطة , يبقى ما أدخل في المقدس مقدسا ..

لذلك ثمة حاجة معرفية و مجتمعية لتحديد المقدس , نعني بالمقدس المطلق أو العبادي أو ما يتصل بالشأن الديني المحض و دونه ليس مقدسا . فالتشريع الإسلامي له مظهران , مظهر التشريعات الموجهة إلى الأفراد , إلى المكلفين , و التشريعات الموجهة إلى الأمة . و الدولة هنا كائن مخلوق للأمة , في مقابل الفكرة الهيغلية التي تعتبر الدولة تجريدا عاليا أو تجريدا مقدسا للأمة و المجتمع .

و المقدس في هذا السياق هو حفظ النظام .. و حفظ النظام له صيغتان : صيغة حفظ النظام بالتوافق مع المجتمع , و الصيغة الأخرى صيغة حفظ النظام بقمع المجتمع و التسلط عليه ..

و الواقع السياسي للمسلمين اليوم , يؤكد أن دول المسلمين اختارت صيغة حفظ النظام عن طريق القمع و الاستبداد .

و مشروعات الإصلاح في الأمة تعمل على بناء حفظ النظام بالتراضي و الانسجام بين المجتمع و الدولة , و إنهاء الفصام النكد بين ذاتها و بين دولتها .. و عليه فإن مقدسات المسلمين محدودة , و لا يجوز توسعه هذه المقدسات . و دونها تبقى اجتهادات بشرية نحترمها و نقدرها , و لكننا لا ننحبس فيها ..

و بالتالي فإن الأحلام بكل مستوياتها , ليست مقدسا و لابد من التحرر من ذهنية توسيع المقدس .