تحرير: سمير آل ربح
ماذا صَنعت شهادةُ الحسين (عليه السلام)؟ العلامة الشيخ فَوزي السَّيف
ليلة عاشوراء ويومها تتهيأ فيهما النفوس إلى البكاء والرثاء والدمعة على الحسين (عليه السلام) أكثر من أي شيء آخر، فهي مناسبة حزنٍ وبكاء. عن الإمامِ الرِّضَا (عليهِ السَّلَامُ) قالَ: (كانَ أَبِي صلواتُ اللهِ عليهِ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ المُحَرَّمِ لَا يُرَى ضَاحِكًا، وَكَانَتْ كَآبَةٌ تَغْلِبُ عَلَيهِ حَتَّى يَمضِيَ مِنهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا كَانَ يَومُ العَاشِرِ كَانَ ذَلِكَ اليَومُ يَومَ مُصِيبَتِهِ وَحُزنِهِ وَبُكَائِهِ، وَيَقُولُ: هَذَا اليَومُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الحُسَينُ صَلواتُ اللهِ عليهِ). [الأمالي، الشيخ الصدوق: ص190]. ويحقُّ للمؤمن وفاءً لحق الحسين أن يقضي ليلة عاشوراء ويومه بل أكثر من ذلك في الحزن والتفجُّع والجزع والبكاء عليه؛ كيف لا وفي الزيارة المنسوبة لصاحب الأمر (عليه) السلام): “فَلَئِنْ أخَّرَتْني الدُّهُورُ، وَعَاقَنِي عَنْ نَصرِكَ المَقدُورُ، وَلَمْ أكُنْ لِمَنْ حَارَبَكَ مُحَارِبًا، وَلِمَنْ نَصَبَ لَكَ العَدَاوَةَ مُناصِبًا، فَلأنْدُبَنَّكَ صَبَاحًا وَمَسَاءً، وَلأبْكِيَنَّ لَكَ بَدَل الدُّمُوعِ دَمًا، حَسْرَةً عَلَيكَ، وتَأسُّفًا عَلى مَا دَهَاكَ وَتَلَهُّفًا، حَتَّى أمُوتُ بِلَوعَةِ المُصَابِ، وَغُصَّةِ الاِكْتِئَابِ“. [زيارة الناحية المقدسة، للإمام الحجة (ع)]. يستحق الحسين كل هذا الحزن والأسى والبكاء.
مصيبةٌ عُظمت على أهل السموات والأرض
مصيبة الحسين عُظمت على أهل السموات والأرض: “وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّماواتِ عَلى جَمِيعِ أَهْلِ السَّماواتِ” [زيارة عاشوراء، كامل الزيارات، الشيخ جعفر بن قولويه القمي، ص 174]. لماذا قُدِّمَمصاب أهل السماوات بالحسين على مصاب أهل الأرض بها؟
لأن أهل السموات كانوا ناظرين إلى ما حدث للحسين ويرون تفاصيله. أمَّا نحن فنسمع من المؤرخين ومن الرواة ما حدث له. نسمع ولم نرَ ولم نُشاهِد. وصلنا أن الحسين قال: “يا قوم وحق جدِّي أنا عطشان“. نحن نسمع (أو نقرأ)، لكن الملائكة سمعوه مباشرة وشاهدوا عطشه. نحن نسمع من الخطباء يقرؤون:
|
فَدَعَا فِي القَومِ يَا للَّهِ لِلخَطبِ الفَظِيعِ |
|
نَبِّئُونِي أَأَنَا المُذنِبُ أَم هَذَا الرَّضِيعِ؟ |
لكن الملائكة رأوا الحسين وهو يحمل رضيعه أمام القوم يطلب منهم شربة ماء ليبرِّد به حرارة عطش ابنه. عرفت الملائكة بعين المشاهدة تفاصيل ما جرى عليه وعلى أهل بيته وعلى أصحابه؛ فالمصيبة عظيمة لأنهم عاينوها.
مصيبة عُظمت على أهل الإسلام
هذه المصيبة عَظمت على أهل الإسلام: “ لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَجَلَّتْ وَعَظُمَتِ الْمُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنَا وَعَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ” [زيارة عاشوراء، كامل الزيارات، الشيخ جعفر بن قولويه القمي، ص 174]، فإذا كان مسلمٌ في الكرة الأرضية قديمًا وحديثًا سمع عن مصيبة الحسين ووعاها وعرف أهداف شهادته؛ فإنه من الطبيعي أن تعظُم عليه مصيبةُالحسين إلا إذا لم يكن من أهل الإسلام. أهل الإسلام الذين اطَّلعوا على حركة الحسين ونهضته وأهدافه لا يملكون إلا تعظيمه وتعظيم مصابه؛ فيحزنون لما أصابه ويبكون عليه.
إن من يُنكر ما حدث على الحسين فإنه ليس من الإسلام الحقيقيفي شيء، بل من أهل الإسلام القشري الجامد الأموي.
في ليلة عاشوراء ويومها تتهيَّأ النفوس لذكر مصرع الحسين، لكن مع ذلك لا بد من الحديث عن شيء من شهادته وعن آثارها منذ حدوثها إلى يومنا هذا.
أثر الحسين في نفوس محبيه
لعلنا لا نجد حدثًا ولا شخصًا في تاريخ البشر حرَّك الناس على مدى قرون متمادية (نحو 14 قرنًا) كما صنع الحسين بحركته وبشهادته. وإننا نتساءَل: هل هناك أحد يستطيع أن يحصيَ منذ شهادته إلى يومنا هذا كم من الأموال أُنفقت لتحريك ذكرى الحسين؟ لا أحد يستطيع أن يحصيَ ذلك إلا ربُّ العباد.
كم من الأفراد في هذه السنين المتطاولة تحركوا في سبيل الحسين؛ فأنفقوا الأموال، وأقاموا المآتم، وخدموا فيها، بلَّغوا وبيَّنوا، وأقاموا الحسينيات وسيَّروا المواكب، وذكروا الحسين في كل أرض وفي كل زمان؟ لو أنَّ مؤسسة ضخمة جدًّا أرادت أن تُحصيَ ذلك لما استطاعت، ولا يحصي ذلك إلا الباري سبحانه وتعالى.
لعلكم تطَّلعون على بعض الأماكن لم تكونوا تعرفونها على خريطة العالم، وهم يُقيمون المآثم وينصبون رايات العزاء على سيد الشهداء، فيبكونه ويحزنون عليه ويقيمون شعائره، بل بعضهم آمن بالإسلام عن طريقه وعلى ضوئه، من باب “شيَّعني الحسين”، وأنار طريقي.
هذا الأمر لا نجده في أي شخص في التاريخ، ولا نجد حدثًا كهذا الحدث، ولو قارنَّاه بالحج (مثلًا)، وهو أكبر مؤتمر إسلامي يذهب إليه النَّاس عادة؛ فإن أقصى ما يمكن أن يقال إنه يتحرك فيه نحو 3 – 4 ملايين ليس أكثر، وعادة من يذهب للحج في سنة لا يعود في أخرى إلا القلة من المسلمين. في حين نجد أن الحسين يحرِّك في كل سنة مئة ضعف هذا العدد بل يزيد، يشتركون في عزائه كل سنة.
إننا نجد أن مجتمعنا يبدأ كل فرد فيه بإحياء قضية الحسين منذ وعيه للدنيا إلى أن يختاره الله، فهو طيلة عمره في طريق الحسين يقرأ نهضته ويحفظ أقواله ويسير على خطاه. ولا يكتفي بذلك بعام دون عام، بل يُجدِّد الذكرى في كل عام، يحيي ذكراه في وجدانه وتتموَّج أهدافه في عقله، وهذا الأمر لا نجد له نظيرًا على الإطلاق؛ وسرُّ ذلك هو شهادة الحسين (عليه السلام).
من خصائص الحسين (عليه السلام)
إن الله عوَّض الحسين عن شهادته بخصال ثلاث يذكرها الشيخ الصدوق في الخصال والأمالي، وغيره في غيره من الكتب: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَوَّضَ الْحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَتْلِهِ أَنْ جَعَلَ الْإِمَامَةَ فِي ذُرِّيَّتِهِ، وَالشِّفَاءَ فِي تُرْبَتِهِ، وَإِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ قَبْرِهِ، وَلَا تُعَدُّ أَيَّامُ زَائِرِيهِ جَائِيًا وَرَاجِعًا مِنْ عُمُرِهِ». [الأمالي،الشيخ الصدوق، ص 201]، وفي زيارة الناحية (عليه السلام) للإمام الحجة (عليه السلام) : “السَّلام على الحُسين الذي سمحت نفسُه بمهجته، السَّلام على من أطاع الله في سره وعلانيته، السَّلام على من جُعل الشفاء في تربته، السلام على من الإجابة تحت قبته، السلام على من الأئمة من ذريته” [المزار، المشهدي، ص 497].
وهب اللهُ الحسينَ هذه الخصائص لسابق علمه بشهادته، فرتَّب على أثر ذلك أن يكون امتداد النبوة بالإمامة إلى آخر الزمان في أئمة الهدى وأن هؤلاء سيكونون من نسل الحسين، مع أن أخاه الإمام الحسن أكبر سنًّا وأسبق في الإمامة منه، ولديه أبناء وأحفاد صالحون، ولكن الحسين اُختصَّ بذلك؛ لأنه كان شهيد هذا الدِّين وشهيد هذه الأمة، فجاء الأئمة من نسله، وهم على الترتيب: علي بن الحسين السجاد، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، والمهدي الحجة بن الحسن (صلوات الله عليهم أجمعين).
الشفاء في تربته
يقرِّر العلماء أن أكل التراب (أي تُراب) حرام شرعًا، لا يجوز أكله ولا شربه وإن امتزج ببعض المنكِّهات، لكنهم يستثنون موارد منها أكل تربة الحسين بمقدار معيَّن (حُمُّصة) وبنية الاستشفاء، فهنا شرطان لجواز ذلك، والغالب لا يُعدِّي العلماء هذا الجواز إلى سائر تراب المعصومين (عليهم السلام)، فإنه يُرجع فيه إلى الأصل وهو حرمة تناول التراب.
الدعاء مستجاب تحت قبته
يستجيب الله دعاء المؤمنين بحسب حكمته أينما كانوا: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ} [سورة غافر:60]، لكن لقبة الحسين مدخليةخاصة في توفير إمكانية الاستجابة. كما هو الحال في الأزمنة، كل الزمان لله، ولكن الله اختصَّ ليلة الجمعة ويومها بالفضل وأن فُرص استجابة الدعاء فيها أكثر من غيرها من الأزمنة، ومثل ذلك شهر رمضان، فكل الشهور لله، لكن الشهر الكريم فيه خصائص لا تتوافر في غيره من الشهود. وهكذا الأمر في الدعاء تحت قبة الحسين، وهذا من بركات شهادته (صلوات الله عليه).
بين الخصائص والأفضلية
وهنا نشير إلى مطلب هام، وهو أن هناك فرقًا بين الخصائص وبين الأفضلية؛ فإن بعض خصائص الحسين ما كانت للنبي محمد (صلى الله عليه وآله)، ولا لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومع هذا لا يعني أن الحسين أفضل منهما، بل هما أفضل منه بلا ريب، فالنبي لم يُستشهد هذه الشهادة الدامية بل الحُسين، فنال بذلك هذه الخصائص الثلاث (أو الأربع)، ومع ذلك بقي النبي أفضل منه.
شهادة الحسين أعطت معنى جديدًا لمفهوم الحياة والموت
أضف إلى كل ذلك، شهادة الحسين أعطت معنًى جديدًا لحياة الإنسان وموته؛ فغيَّر معنى الحياة ومعنى الموت، فقال: “ فَإِنِّي لا أَرَى المَوتَ إِلا سَعَادَةً، وَلا الحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلا بَرَمًا” [تحف العقول، ابن شعبة الحراني، ص 245]، فالإنسان إذا اُستشهد يمتدُّ زمنًا ومكانًا ويتجاوزهما إلى أبعد من ذلك، فلو لم يُستشهد الإمام لبقي حينًا ثم يُسمَّم أو يُغتال، أو يأتيه الموت بعد سنوات قليلة بصورة طيبعية كما هو الحال في بعض الأنبياء والأوصياء، ولأصبح الموت حينئذٍ كأي موت ينتهي بنهاية الإنسان ، لكنه (عليه السلام) اختار الشهادة على الموت الطبيعي (والمنية على الدنيا)، فـ” إنَّ اللَّهَ قَد شَاءَ أَنْ يَرَاكَ قَتِيلًا” [اللهوف في قتلى الطفوف، السيد ابن طاووس، ص 40]. عندها تحوَّلت شهادتُه إلى شعلة متقدة تنير طريق الأجيال، ولكل من نظر في حياته الشريفة:
|
فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالدِينَ |
|
فَذًَّا، إلى الآنَ لم يُشْفَعِ |
|
ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ |
|
للاهينَ عن غَدِهِمْ قُنَّعِ |
|
شَمَمْتُ ثَرَاكَ فَهَبَّ النَّسِيمُ |
|
نَسِيمُ الكَرَامَةِ مِنْ بَلْقَعِ |
|
وعَفَّرْتُ خَدِّي بحيثُ استراحَ |
|
خَدٌّ تَفَرَّى ولم يَضْرَعِ |
|
وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُّغَاةِ |
|
جالتْ عليهِ ولم يَخْشَعِ |
أعطى الإمام للأجيال وللأحرار وللنفوس وللإسلام حياةً جديدةً، وشاهدُ ذلك ما نراه اليوم على كل الساحات من أثر الحسين ونهضته المباركة على الأمة، وما كان ذلك ليحصل لولا الشهادة المباركة التي اختارها اختيارًا لا مضطرًا ولا مُكرهًا:
|
وسامته يركبُ إحدى اثنتين |
|
وقد صرَّت الحربُ أسنانَها |
|
فإمَّا يُرى مذعنًا أو تموت |
|
نفسٌ أبى العزُّ إذعانَها |
|
فقال لها اعتصمي بالإِباءِ |
|
فنفسُ الأبيُّ وما زانَها |
|
رأى القتلَ صبرًا شعار الكرام |
|
وفخرًا يُزين لها شانَها |
|
كأَنَّ المنيَّة كانت لديه |
|
فتاةٌ تواصل خلصانَها |
|
فبات بها تحت ليلِ الكفاح |
|
طروب النقيبةِ جذلانَها |
|
وأصبح مُشتجرًا للرماح |
|
تحلِّي الدِّما منه مُرّانها |
|
عفيرًا متى عاينته الكماةُ |
|
يختطف الرعب ألوانَها |
|
فما أجلت الحربُ عن مِثله |
|
صريعًا يجبِّن شُجعانَها |
خلاصة القول
إن الإمام الحسين هو قدوتنا في الحياة، وهو الذي نتولاه، ونتبِّع طريقه، ونسير على خُطاه، ونحزن لما جرى عليه، ونقيم مآتم العزاء، ونبادر إلى تعظيم شعائره.







