جمال المطوع
هُنَاكَ مِنَ المَوَاقِفِ الوَاضِحَة وَالدَّلَالَاتِ الهَادِفَة مَا يَحْمِلُ أَبْعَادًا دِينِيَّةً وَنَفْسِيَّةً وَأَخْلَاقِيَّةًوَتَرْبَوِيَّة، تَظَلُّ مَغْرُوسَةً فِي وِجْدَانِنَا، وَلَنْ يَمْحُوَهَا الزَّمَنُ بِأَحْدَاثِهِ وَمُجْرَيَاتِه، مَهْمَا طَالَ أَوْقَصُر، لِأَنَّهَا مِنَ الثَّوَابِتِ الأَصِيلَةِ وَالدَّعَائِمِ الرَّاسِخَة، خَاصَّةً إِذَا جَاءَتْ مِنْ حَمَلَةِ أَهْلِالعِلْمِ الرَّبَّانِي وَالإِيمَانِ العَقَائِدِي، الَّذِينَ يَسْلُكُونَ أُسْلُوبًا جَذَّابًا شَفَّافًا وَمُشَوِّقًا فِي فَنِّالخِطَابَةِ المَنْهَجِيَّةِ وَالإِرْشَادِ التَّوْعَوِي قَوْلًا وَفِعْلًا إِلَى مُسْتَمِعِيهِمْ.
فَإِذَا امْتَزَجَتْ وَانْدَمَجَتْ كُلُّ هَذِهِ المَفَاعِيلِ فِي إِحْيَاءِ مُنَاسَبَاتٍ وَشَعَائِرَ دِينِيَّةٍ تُمَثِّلُمَرْحَلَةً فَاصِلَةً بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِل في الواقع الانساني، وَالَّتِي تَجَسَّدَتْ فِي وَاقِعَةِ الطَّفالمَلْحَمِيَّةِ بَيْنَ حُمَاةِ الدِّينِ الَّذِي يُمَثِّلُهُ الحُسَيْنُ وَأَصْحَابُهُ مِنْ جِهَةٍ، وَبَيْنَ زُمْرَةِ أَهْلِالظُّلْمِ وَالبَغْيِ وَالفَسَادِ وَالضَّلَال مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
وَالمُقَارَنَةُ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فكرا ونهجا وسلوكا هُنَا تُظْهِرُ بَرَاعَةَ الوَصْفِ وَالتَّحلِيلِالمنطقي في وصف الاحداث والاثار المترتبة عليها الَّتِي يَرْتَكِزُ عَلَيْهَا كُلُّ خَطِيبٍ حُسَيْنِيٍّمُفَوَّه، وَهَذَا مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ وَالإِشَارَةِ إِلَيْه، وَهُنَاكَ نَمَاذِجُ كَثِيرَةٌ مُتَمَيِّزَة، وَمِنْ هَؤُلَاءِالخُطَبَاءِ المُبْدِعِين، وَهُوَ ظَاهِرَةٌ فَرِيدَة وَذُو أُسْلُوبٍ آخَّاذ، سَمَاحَةُ العَلَّامَة الشَّيخ زهيرالدرورة، المُتَمَكِّنِ فِي تَسْلِيطِ بُحُوثِهِ القَيِّمَةِ الَّتِي اتَّسَمَتْ بِوَضْعِ النِّقَاطِ عَلَى الحُرُوف فِيتَرْجَمَةِ الحَرَكَةِ الحُسَيْنِيَّةِ بِأَبْعَادِهَا القُرْآنِيَّةِ وَالحَدِيثِيَّة والفلسفية، وَأَسْهَبَ فِي بحوثهشَرْحًا وتحليلا وَتَعْلِيلًا، لِإِعْطَاءِ التَّفَاصِيلِ وَالوَقَائِعِ بحكمة وروية تدخل القلوب بقناعةوقبول، وَرَبْطِ بَعْضِهَا بِبَعض، لِتَوْصِيلِ المَعْلُومَةِ بِشَفَّافِيَّةٍ إِلَى الحُضُورِ المُجْتَمَعِيّ بِكُلِّأَطْيَافِهِ المُتَنَوِّعَةِ فِكْرًا وَثَقَافَةً وَمَفْهُومًا بِكُلِّ تركيباته وتوجهاته و اراءه، وفي قالبآخرالاتجاه بالبوصلة الى شد انتباه و مُشَارَكَةٍ البَرَاعِمِ وَالشَّبَابِ المُتَنَوِّرِ مِنَ النَّاشِئَة فينقاشاته.بشكل احتراف وتميز.
وَأسْتَطَاعَ الشَّيْخُ الفَاضِل بِحِنْكَتِهِ، وَبِأُسْلُوبِهِ المَرِن وَالسَّلِس، وَبِمُحَاضَرَاتِهِ وَأُطْرُوحَاتِهِالمشوقة، أَنْ يُعْطِيَ مَجَالًا لِطَرْحِ تَسَاؤُلَاتٍ يُشْرِكُ فِيهَا بَرَاعِمَ المُسْتَقْبَل، وَالاطِّلَاع عَلَىمَدَى وَعْيِهِمُ الدِّينِيِّ وَالعَقَائِدِي فِي الأَخْذِ وَالرَّد، لِيَرَى مَدَى فَاعِلِيَّةِ التَّجَاوُبِ وَالتَّعَاطِيمَعَهُ فِيمَا طَرَحَهُ عليهم مِنْ أَسْئِلَةٍ مِحْوَرِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِرَبْطِ الشَّبِيبَةِ بِوَاقِعِهِمُ الدِّينِيِّوَالمَعْرِفِي، وَمَدَى ثَقَافَتِهِمْ ووعيهم.
فَوَجَّهَ بِرَحَابَةِ صَدْرٍ أَسْئِلَةً إسْتِفْهَامِيَّة إِلَيْهِمْ ولفتة توجيهية تَتَعَلَّقُ بِمَنْ هِيَ المَقْصُودَةُبِكَلِمَةِ «الكَوْثَر»، فَقَامَ أَحَدُ البَرَاعِمِ وَأَجَابَ أَنَّ المَقْصُودَ بِتَفْسِيرِ الكَوْثَر هِيَ السَّيِّدَةُفَاطِمَةُ الزَّهْرَاء عَلَيْهَا السَّلَام، فَأَثْنَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ الجَلِيل عَلَى حُسْنِ إِجَابَتِه، وَفِي اليَوْمِالتَّالِي كَافَأَ الشَّيْخُ ذَلِكَ البُرْعُمَ بِجِهَازِ جَوَّال، وَحَثَّهُ عَلَى الِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ إطِّلَاعًا وَمَعْرِفَةًوَثَقَافَةً دِينِيَّة، مِمَّا أَعْطَى تَشْجِيعًا وَدَافِعًا لِهَؤُلَاءِ النَّاشِئَة لِلرَّغْبَةِ فِي الِاطِّلَاع عَلَى تَعَالِيمِدِينِهِمْ وَعَقِيدَتِهِمْ، وَرَفْعِ مُسْتَوَاهُمُ الفِكْرِي وَالرُّوحِي وَالعَقَائِدِي.
وَهَذِهِ نِقَاطٌ جَوْهَرِيَّةٌ فِي الِانْفِتَاحِ الإِيجَابِي لِلتَّوَاصُل، وَطَرِيقٌ ليَحذُو الخُطَبَاءُ الآخَرُونَحَذْوَهُ فِي كَسْبِ قَاعِدَةٍ عَرِيضَةٍ مِنْ شَبَابِ المُسْتَقْبَلِ فِي الِاطِّلَاعِ وَالمُتَابَعَةِ فِيمَا يَخُصُّدِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ.
وَهُنَا نُوَجِّهُ كلمات الشُّكْرَ وَالعِرْفَان، والأَجْرِ وَالثَّوَاب، إِلَى سَمَاحَةِ هَذَا الشَّيْخِ الجَلِيلعَلَى هَذِهِ الإِنْجَازَات والعطاءات وَالمُسْتَجَدَّات فِي فَنِّ الخِطَابَةِ وَالإِرْشَاد المَنْهَجِي، الَّذِيفَتَحَ بَابًا نَحْنُ أَحْوَجُ مَا نَكُونُ إِلَيْهِ فِي عَصْرِ الِانْفِتَاحِ ومواقع التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِي بكلانواعها ومحتوياتها الَّتِي تَبُثُّ الغَثَّ وَالسَّمِين.
وَهُنَا يَأْتِي دَوْرُ الدُّعَاة، وَخَاصَّةً الأَكَادِيمِيِّينَ مِنْهُمْ وَالمُؤَهَّلِين، فِي تَوْضِيحِ كُلِّ الشُّبُهَاتوَمَا يُدَسُّ مِنَ الأَضَالِيل، وَخَلْقِ الفِتَنِ بَيْنَ أَبْنَاءِ المَذْهَبِ الوَاحِد، وَعَلَى عُلَمَائِنَا وَخُطَبَائِنَاالأَجِلَّاء الِاقتداء دائما وابدا بهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ شِعَارًا وَمَنَارَةً، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَىسَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ لِتَكُونَ الهَدَفَالأَسْمَى وَالمِثَالَ الأَعْلَى فِي دِينِنَا وَدُنْيَانَا.
وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيق.







