جمال المطوع
إِنَّ عَلِي الْأَكْبَر عَلَيْهِ السَّلَام احْتَوَى مِنَ الْخِصَالِ وَالْفَضَائِلِ مَا يَعْجِزُ الْقَلَمُ عَنِ الْإِلْمَامِ بِه وَالْوِجْدَانُ عَنِ التَّطَرُّقِ إِلَيْه، لِأَنَّهُ دَوْحَةٌ غَنَّاء تُقْطَفُ مِنْهَا مَا تَشَاء وَمَا تُحِبُّ مِنْ أَزْهَارٍ شَتَّى مُتَنَوِّعَة، رَائِحَتُهَا الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ الَّتِي لَا حُدُودَ لَهَا.
وَقَدْ تُوِّجَتْ تِلْكَ الْبَاكُورَةُ الْمُزْهِرَةُ بِالسَّمْعِ وَالِاسْتِجَابَةِ وَالْخُضُوعِ وَالطَّاعَةِ لِأبيه الْحُسَيْن عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فِي نَيْلِ شَرَفِ الشَّهَادَة الَّتِي كَانَ يَفْتَخِرُ بِهَا، مُعْلِنًا وَمُصِرًّا عَلَى دُخُولِ الْمَعْرَكَةِ مَهْمَا كَانَتْ نَتَائِجُهَا، أَوَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ أَمْ وَقَعَ الْمَوْتُ عَلَيْه، إِنَّهَا نَخْوَةُ الْأَبْطَالِ الَّتِي تُشَرِّفُ كُلَّ شَابٍّ حُرٍّ أَبِيٍّ.
عِلْمًا أَنَّ وَالِدَهُ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ حُبًّا جَمًّا، وَيَرَى فِيهِ جَدَّهُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه، الَّذِي يُشْبِهُهُ خَلْقًا وَخُلُقًا وَصِفَاتٍ وَمَنْطِقًا، بَلْ فِي كُلِّ الْفَضَائِلِ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنْ مُنْتَهَى الشَّرَفِ وَالْعِزَّةِ وَالْكَرَامَة وَكِبَرِ النَّفْس.
وَلَقَدْ جَمَعَ الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ وَالتُّقَى وَالْوَرَعَ وَالْهَيْبَةَ وَالنَّبَاهَةَ وَالسَّخَاء وَالشَّجَاعَة، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَة وَالنُّعُوتِ الْكَرِيمَة، فكَانَتْ مَكَانَتُهُ الشَّخْصِيَّة بِأَنَّهُ يُعَد مِنْ سَادَاتِ الطَّالِبِيِّين وَشُجْعَانِهِمْ، وَقَدْ جَمَعَ صِفَات الْمَجْدِ وَالْبُطُولَة، وَتَجَسَّدَتْ سِيرَتُهُ قُدْوَةً عَظِيمَةً لِلشَّبَابِ فِي التَّضْحِيَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الْمَبْدَإِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فِي أَحْلَكِ الظُّرُوف وَأَعْظَمِهَا.
وَكَمَا يُشِيدُ الْبَاحِثُونَ بِمُسْتَوَى بَصِيرَتِهِ وَإِيمَانِهِ الْمُطْلَق، حَيْثُ تَجَلَّى ذَلِكَ فِي حِوَارِهِ مَعَ أبيه عِنْدَمَا سَأَلَهُ: «يَا أَبَتِ، أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ؟» فَأَجَابَهُ الْحُسَيْن: «بَلَى». فَرَدَّ الْأَكْبَرُ: «إِذًا لَا نُبَالِي أَنْ نَمُوتَ مُحِقِّين».
إِذًا، حَرِيٌّ بِشَبَابِنَا فِي هَذَا الْعَصْرِ الْمُتَلَاطِم، الَّذِي طَغَتْ فِيهِ ظَوَاهِر بَعِيدَةٌ عَنْ رُوحِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْمُتَّزِنَة، وَالِانْفِلَاتُ فِي مُتَاهَاتٍ لَا يُعْرَفُ صَالِحُهَا مِنْ طَالِحِهَا، أَنْ يَتَأَمَّلُوا وَيَتَفَكَّرُوا وَيَنْغَمِسُوا فِي الْعُمْقِ الدِّينِيِّ الذي لا غبار عليه حيث لا اكراه في الدين وبِمَا يُوَاكِبُ الْحَضَارَةَ عَالِيَةَ الرُّقِيِّ والفكر وَالسُّمُوِّ الْأَخْلَاقِيِّ الرَّصِين، وَيَقْتَنِصُوا هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ فِي الِانْدِفَاعِ إِلَى تَطْهِيرِ الذَّاتِ مِنْ بَرَاثِنِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالَة، مَادِّيَّةً كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّة، وَأَنْ يَتَحَلَّوْا بالْعِزَّةِ وَالْكَرَامَةِ وطيب الخصال وَقُدْسِيَّةِ الْمُعْتَقَد الرَّبَّانِيِّ وَالنَّهْجِ الرِّسَالِي المحمدي الاصيل، وَيَحْذُوا حَذْوَ هَذَا الذَّبِيحِ الْمَمْلُوءِ شَرَفًا ووفاء وَفِدَاءً.
فَسَلَامُ اللهِ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ، وَيَوْمَ اسْتُشْهِدَ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا.





