جمال المطوع

يُعَدُّ الرِّياءُ وَحُبُّ الشُّهْرَةِ مِنْ أَبْرَزِ آفاتِ القُلُوبِ وَالأَمْراضِ الاجْتِماعِيَّةِ المُزْمِنَة، وَالعادَاتِ السَّيِّئَةِ المَنْبُوذَة الَّتِي ابْتُلِيَ بِها بَعْضُ أَفْرادِ المُجْتَمَع، وَذَلِكَ لِنَقْصٍ وَخَلَلٍ فِي نُفُوسِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ، مِنْ خِلالِ عَدَمِ الاتِّزانِ فِي شَخْصِيَّاتِهِم المُتَذَبْذِبَة، وَالمَعْرُوفَةِ بِتَبَنِّيهِمْ ما يَرَوْنَهُ مُناسِبًا لِرَفْعِ شَأْنِهِمْ أَمامَ مُتَزَلِّفِيهِمْ فِيما يُقَدِّمُونَهُ مِنْ خدماتٍ مُجْتَمَعِيَّة لِلسُّمْعَةِ وَلَفْتِ الانْتِباه، وَهِيَ فِي حَقِيقَةِ ظاهِرِها تَخْتَلِفُ عَنْ باطِنِها، وَذَلِكَ لِحاجَةٍ فِي أَنْفُسِهِمْ إِلَى التَّباهِي وَالتَّفاخُرِ أَمامَ الآخَرِين، لِيُغَطُّوا عَلى مَواقِفِهِم السَّلْبِيَّةِ وَعُيُوبِهِمْ، لِتَكُونَ سِتارًا يَقِيهِمُ اللَّوْمَ وَالانْتِقاد مِنْ قِبَلِ مَنْ هُمْ عَلى مَعْرِفَةٍ بِأَفْعالِهِمْ وَسُلُوكِيَّاتِهِم الَّتِي لا تُغَطَّى بِغِرْبالٍ لِعارِفِيهِمْ.

وَهَذا أُسْلُوبٌ فِيهِ سُوءُ نِّيَّة، اتَّخَذُوهُ لِيَضْرِبُوا عُصْفُورَيْنِ بِحَجَرٍ واحِد، فَمِنْ جانِبٍ يَنالُونَ فِيهِ ثِقَةَ مَنْ لا يَزالُ مَخْدُوعًا بِهِمْ وَبِتَصَرُّفاتِهِمْ، وَمِنْ جانِبٍ آخَر لِتُسَلَّط عَلَيْهِمُ الأَضْواء لِيَنالُوا الإِطْراءَ وَالثَّناء، بَيْنَما فِي واقِعِ الأَمْرِ لا تَخْفَى أَفْعالُهُمْ عَلى اهل الإطِلاع وَالمَعْرِفَةِ بِنِيَّاتِهِمُ المُتَناقِضَة القائِمَةِ عَلى بُنْيانٍ هَش، فَفِي الوَقْتِ الَّذِي يَبْنُونَ فِيهِ صُرُوحًا لِيَكُونُوا مَحَلَّ لَفْتِ الأَنْظار، تَراهُمْ بِإِصرارٍ وَعِناد سَبَبًا فِي هَدْمِ اسْتِقْرارِ عوائل وَتَفْكِيكِها وَتَشْتِيتِها، مِمَّا يُؤَدِّي إِلى ما لا يُحْمَدُ عُقْباه مِنَ المَشاكِلِ وَرَدَّاتِ الفِعْلِ غَيْرِ المُتَّزِنَة الَّتِي نَتَجَ عَنْها خَلْقُ شَرخٍ إجْتِماعِي وَهَدْمُ الاطْمِئْنانِ العائِلِيِّ بِكُلِّ مَعْنَى الكَلِمَة.

وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَلُمُّوا الشَّمْلَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ مُتَخاصِمَيْن، تَراهُمْ يُسارِعُونَ لِيَقِفُوا مَعَ طَرَفٍ ضِدَّ الآخَر لِقَرابَتِهِمْ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْن، بَلْ يُؤَجِّجُون وَيُحَرِّضُونَ عَلَى الانْفِصال وَالطَّلاق، وَهَذا مُناقِضٌ لِلتَّوَجُّهاتِ الدِّينِيَّةِ وَالأَخْلاقِيَّةِ وَالمَنْطِقِ السَّلِيم.

وَالحِكْمَةُ تَقُول: إجْمَعْ وَلا تُفَرِّقْ، وَأَطْفِئْ نارَ الخِلافات وَلا تُشْعِلْها، وَلَكِنَّهُمْ عَكْسُ كُلِّ ذَلِك، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، حَيْثُ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، وَهَذا ما لا يَتَّفِقُ مَعَ العَقْل وَالاتِّزانِ وَالعُرْف.

فَمِنْ بابٍ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ أَعْمالُهُمْ وَأَفْعالُهُمْ خالِصَةً لِوَجْهِ الله، وَأَنْ تَنْطَلِقَ وَفْقَ مَعايِيرَ لا تَشُوبُها أَيُّ شائِبَة، وَأَنْ تُصبِح النِّيَّاتُ صادِقَةً بِلا تَضْلِيل وَلا تَمْوِيه فِيما يَهْدِفُونَ إِلَيْه، وَأن لا يَجْمَعُوا النَّقِيضَيْنِ فِي آنٍ مَعًا وهَي طِّباعٌ وخِصال غَيْرُ مُسْتَحْسَنَة، وتُعتَبر إنْحِرافٌ لِلهَدَفِ وَالمَضْمُون الغَيْر مُرْضَى عَنْها، حَيْثُ إخْتَلَطَ حابِلُها بِنابِلِها، وَكُلُّ هَمِّهِمْ وغايتهم فِي كَيْفِيَّة تَسْلِيط الأَضْواءِ عَلَيْهِمْ لِيَكُونُوا حَدِيثَ السَّاعَة.

وَمَنْ عَلِمَ بِالأَمْرِ وَعاشَهُ لَيْسَ كَمَنْ لا يَعْلَمُ بِهَذِهِ النَّوايا اللَّاأَخْلاقِيَّة الواضِحَةِ كَوُضُوحِ الشَّمْس، لِتَصَرُّفاتِ أُولَئِكَ الأَشْخاصِ الَّذِينَ يَتَّسِمُونَ بِذَلِكَ التَّعامُلِ المَمْلُوء رِياءً وَحُبَّ الظُّهُور، وَلَكِنَّ اللهَ لَهُمْ بِالمِرْصاد، هم وَمَنْ سانَدَهُمْ وَوَقَفَ مَعَهُمْ مِنَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنَ الدِّينِ ما يُناسِبُهُمْ، وَالدِّينُ مِنْ أَفْعالِهِمْ بَراءٌ كَبَراءَةِ الذِّئْبِ مِنْ دَمِ يُوسُف.

وَمَهْما مَرَّتِ الأَيَّام وَطالَ الزَّمَن فإنه لا يصِح إلا الصحيح، وبما لا يُخالِف القِيَمَ الدِّينِيَّة وَالأَخْلاقِيَّة، وَكانَ الأَجْدَرُ والاولى بِهَؤُلاءِ المُقَرَّبِينَ وَالوُسَطاء أَنْ يَسْعَوْا لِلإِصْلاح، كَما قالَ القُرْآنُ الكَرِيمُ: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾.

وَلَيْسَ بِإسْتِخْدَامُ طُرُقٍ مُلْتَوِيَة كَالْوُقُوف مَعَ طَرَفٍ ضِدَّ الآخَر بَدَلَ الإِصْلَاح، وَيَأْتِي كُلُّ ذٰلِكَ بِدَعْمٍ مِنْ مَنْ يَدَّعُونَ حَمَلَةَ الْعِلْم، الَّذِينَ فِي مَوَاقِفِهِمْ وأُطرُوحاتِهم مُخَالَفَةٌ لِلشَّرْع، بَلْ ضِدُّ الإِصْلَاحِ وَلَمِّ الشَّمْل، وَبَعِيدَةٌ عَنْ رُوحِ الْوَاقِع، فَيُشَارِكُونَ جَمِيعًا فِي زِيَادَةِ الإشْتِبَاك الْحَاصِلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْن تَارَةً بِالْوَعِيدِ وَتَارَةً بِالتَّهْدِيدِ وَالْغَصْبِ وَالإِكْرَاهِ عَلَى الاِنْفِصَالِ وَالطَّلَاق، وذلِك بِزِيَادَةِ الضَّغْطِ عَلَى الزَّوْجِ لِطَلَبِ الطَلاق، وَهٰذَا فِعْلًا مَا تَحَقَّقَ وَحَصَلَ فِي وَاقِعِ الأَمْر، وَهُوَ شَيْءٌ مُحزِنٌ وَيَحُزُّ فِي الْوِجْدَان وَفُقْدَانُ الثِّقَة ويَعْكِسُ ظَاهِرَةً مُتَخَلْخَلَةً وَمُدَانَةً، وَفِي حَقِيقَةِ الأَمْر مَا قامَ بِهِ هٰؤُلَاءِ مِنْ مَوَاقِف يَجِبُ عَلَيْهِمْ إِعَادَةُ النَّظَر وَمُرَاجَعَةُ مَوَاقِفِهِمْ بِشَكْلٍ دَقِيق، وَإِعَادَةُ الأُمُورِ إِلَى مَا يَنْبَغِي شَرْعًا وَنَهْجًا، وَتَرْكَ تِلْكَ الْخَصْلَتَيْنِ الْمَذْمُومَتَيْن: الرِّيَاءِ وَحُبِّ الشُّهْرَة، فَهَلْ يَرْعَوِي أَصْحَابُ هٰذَا السُّلُوك وَيُعِيدُونَ حِسَابَاتِهِمْ، فَيَسْتَيْقِظُوا مِنْ غَفْلَتِهِمْ وسباتهم قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَان، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ…وَالسَّلَامُ خِتَام.