جمال المطوع

نَلْمَحُ وَنُؤَكِّد أَنَّ القاسِمَ بْنَ الحَسَنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَام)، الشِّبْلَ الَّذِي تَحَدَّى الشَّدَائِدَ فِي وَاقِعَةِ الطَّفِّ الأَلِيمَة، عِنْدَ مُبَارَزَةِ الأَعْدَاء أَصَرَّ وَأَكَّدَ عَلَى شَيْئَيْنِ مُهِمَّيْن، هُمَا: الدِّفَاعُ عَنِ الإِمَامَةِ وَالتَّضْحِيَةُ فِي سَبِيلِهَا حَتَّى الاِسْتِشْهَاد، وَالْغَيْرَةُ عَلَى النِّسَاءِ الحُسَيْنِيَّات وَمَنْ مَعَهُنَّ، وَهَذَا المِثَالُ الأَرْوَعُ لِشَبَابِ كُلِّ الأَزْمِنَة، وَخُصُوصًا عَصْرَنَا الحَاضِر، فِي الاقْتِدَاءِ بِهَذَا الفَتَى المُحَمَّدِيِّ الفَاطِمِيِّ العَلَوِي، الَّذِي يَدُورُ جُلُّ تَفْكِيرِهِ وَاهْتِمَامِهِ فِي طَاعَةِ إِمَامِهِ وَحِمَايَتِهِ مِنْ جَمِيعِ الأَعْدَاء، وَالْغَيْرَةِ عَلَى النِّسَاءِ وَالعِرْضِ وَالشَّرَف، وَالَّذِي بَاعَ نَفْسَهُ فِدَاءً وَتَضْحِيَةً فِي سَبِيلِ الدِّينِ وَالعَقِيدَةِ وَمُرْتَكَزَاتِهَا وَأَهْدَافِهَا، وَمَا تَحْمِلُهُ فِي طَيَّاتِهَا مِنَ القِيَمِ وَالمَبَادِئِ وَالأَهْدَافِ الإِنْسَانِيَّةِ النَّبِيلَة، وَالسُّلُوكِيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ العَظِيمَة فِي أَعْلَى مَرَاتِبِهَا الَّتِي يَنْشُدُهَا كُلُّ عَاقِل.

وَقَدِ اسْتَقَاهَا القَاسِمُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنْ أَبِيهِ وَعَمِّهِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، فَتَرْجَمَهَا إِلَى عَالَمِ الوَاقِعِ وَهُوَ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُم بَعْد، فَكَانَ وَمَا زَالَ مَضْرِبَ المَثَلِ لِكُلِّ جِيلٍ مِنَ الشَّبَابِ السَّابِقِ أَوِ اللَّاحِقِ فِي هَذِهِ المَنْهَجِيَّةِ بِكُلِّ حَذَافِيرِهَا، فِي الأُسْوَةِ وَالاقْتِدَاءِ بِهَذِهِ السِّيرَةِ العَطِرَة.

إِذًا فَهَذَا الفَتَى يُمَثِّلُ بِكُلِّ مَعْنَى الكَلِمَة مَا قَالَهُ أَحَدُ الشُّعَرَاء:

وَإِذَا الفَتَى بَلَغَ السَّمَاءَ بِمَجْدِهِ
كَانَتْ كَأَعْدَادِ النُّجُومِ عِدَاهُ

وَرَمَوْهُ عَنْ قَوْسٍ بِكُلِّ عَظِيمَةٍ
لَا يَبْلُغُونَ بِمَا جَنَوْهُ مَدَاهُ

يُعَدُّ القَاسِمُ بْنُ الحَسَنِ رَمْزًا بَارِزًا لِلتَّضْحِيَةِ وَالبُطُولَةِ فِي مَعْرَكَةِ كَرْبَلَاء، عِنْدَمَا سَأَلَهُ عَمُّهُ الإِمَامُ الحُسَيْن (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنِ المَوْت، فَأَجَابَهُ بِعِبَارَتِهِ الشَّهِيرَةِ: «يَا عَم، المَوْتُ فِيكَ أَحْلَى مِنَ العَسَل»، فَقَاتَلَ دِفَاعًا عَنِ الإِسْلَامِ وَكِيَانِهِ حَتَّى اسْتُشْهِد سلامُ الله عليه.