جمال المطوع

هكذا تَلاقَحَتْ أُخُوَّةُ الدِّينِ وَأُخُوَّةُ النَّسَبِ في قالِبٍ عَقائِدِيٍّ وَرَبَّانِيٍّ فَرِيدٍ لَيْسَ لَهُ مَثِيل، عِندَما تَجَسَّدَ ذٰلِكَ عَلَى أَرْضِ الواقِعِ في مَعْرَكَةِ الطَّف، حِينَ تَلاحَمَ الحُسَيْنُ وَأَخُوهُ العَبَّاس قَمَرُ بَنِي هاشِم وَمَنْ مَعَهُمْ عَلَيْهِمُ السَّلام، في الوُقُوفِ صَفًّا مُتَراصًّا مُتَرابِطًا يُمَثِّلُ عَصائِبَ الحَقِّ وَالرَّحْمٰنِ ضِدَّ كَتائِبِ المَكْرِ وَالشَّيْطان، وَكانَ النَّصرُ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى لِمُعَسْكَرِ الحُسَيْنِ وَأَصْحابِهِ عَلَيْهِمُ السَّلام، وَلٰكِنَّ المَشِيئَةَ وَالحِكْمَةَ الإِلٰهِيَّةَ شاءَتْ أَقْدارُها، وَهِيَ الشَّهادَةُ لِسَيِّدِ الشُّهَداءِ وَمَنْ مَعَهُ، لِيَكُونُوا قَرابِينَ في نُصْرَةِ الدِّينِ وَثَباتِهِ، لِتَظَلَّ كَلِمَةُ «لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ» باقِيَةً ما بَقِيَ الزَّمان، تُلَعْلِعُ في مَشارِقِ الأَرْضِ وَمَغارِبِها، خَفَّاقَةً يَصْدَحُ بِها المُؤْمِنُون، لا يَخافُونَ في اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ؛ لِأَنَّهُمْ امْتِدادٌ لِتِلْكَ الثُّلَّةِ المُؤْمِنَة، لِتَبْقَى خالِدَةً وَمُتَمَثِّلَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
صَدَقَ اللهُ العَلِيُّ العَظِيم.

وَها نَحْنُ، عَلَى مَمَرِّ السِّنِين وَالعُصُور، بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ العَلِيِّ القَدِير، نُحْيِي هٰذِهِ المَلْحَمَةَ العاشُورائِيَّةَ، لِنُخَلِّدَ ذِكْرَى شُهَدائِها بِذِكْرِ تَضْحِياتِهِمْ وَمَآثِرِهِمْ وَخِصالِهِمُ الكَرِيمَة، لِيَكُونُوا لَنا عِظَةً وَعِبْرَةً وَذِكْرَى، وَدافِعًا لَنا لِلتَّمَسُّكِ بِوِلايَتِهِمْ وَالسَّيْرِ عَلَى هُداهُمْ. وَلِنَتَّخِذَ مِنْ قَمَرِ بَنِي هاشِم العَبَّاس ابْنِ عَلِي عَلَيْهِمَا السَّلامُ، كَما جاءَ عَلَى لِسانِ الإِمامِ جعفر الصادق عَلَيْهِ السَّلام أَنَّهُ قالَ في حَقِّهِ: «كانَ عَمُّنا العَبَّاس بْنُ عَلِيٍّ نافِذَ البَصِيرَة، صُلْبَ الإِيمان، جاهَدَ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللهِ الحُسَيْن، وَأَبْلَى بَلاءً حَسَنًا، وَمَضَى شَهِيدًا».

إِذًا فَهُوَ مَدْرَسَةٌ تَتَجَلَّى فِيها الأُسْوَةُ وَالقُدْوَةُ وَالفَخْرُ وَالفِداءُ وَالبُطُولَة، وَنُجَدِّدُ مَآثِرَها وَخِصالَها الشَّامِخَةَ وَالعَظِيمَةَ كُلَّ عامٍ إِنْ شاءَ اللهُ تَعالى.