تركي مكي العجيانشوال 1447هـ – 2025م

ليس اسم الإمام الحسين “عليه السلام” مجرد اسمٍ يُذكر على الألسن، بل هو اسمٌ يهزُّوجدان الإنسان ويوقظ أعماقه كلّما مرَّ على سمعه أو جرى على لسانه. فلذكر الحسين“عليه السلام” طبيعةٌ خاصةٌ في نفس المؤمنين، حتى ورد في الروايات الشريفة: ((إنَّ لقتل الحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً)). وهي حرارةٌ لا تنتمي إلى الحزنوحده، بل إلى الحب والولاء والارتباط العميق بقيم الحق والعدل والكرامة التي جسدهاالإمام الحسين “عليه السلام” في أعظم صورها.

ولذلك لم يكن الحسين “عليه السلام” محبوباً عند أتباعه فحسب، بل أصبح رمزاًإنسانياً يستوقف كلَّ من عرف سيرته أو سمع بقضيته. فهذه الشخصية العظيمة لمتخرج طلباً لسلطةٍ أو مكسبٍ دنيوي، وإنما وقفت في مواجهة الظلم والاستبدادوالانحراف، وبذلت أغلى ما تملك في سبيل إحياء الحق وصيانة كرامة الإنسان.

وقد عبّر أحد الشعراء عن هذه الحقيقة بقوله على لسان الإمام الحسين “عليه السلام”:

إن كان دينُ محمدٍ لم يستقم إلا بقتلي يا سيوفُ خذيني

ومن هنا قيل: الإسلامُ محمديُّ الوجود، حسينيُّ البقاء؛ فبنهضة الإمام الحسين “عليهالسلام” بقيت روح الإسلام حيّةً نابضةً في ضمير الأمة.

وإذا كنّا اليوم، وبعد أكثر من أربعة عشر قرناً، لا نزال نستشعر هذا العشق الحسيني فيقلوبنا، فما بالك بمن عاش مع الحسين “عليه السلام”، وسار معه، والتفَّ حوله، وآمنبنهضته المباركة؟ كيف كان موقع الحسين في قلوب أولئك الذين شهدوا كربلاء؟

لقد سطّر أنصار أبي عبد الله الحسين “عليه السلام” أروع النماذج في تجسيد العشقالحسيني، حتى خلّدهم التاريخ مع إمامهم.

فذلك زهير بن القين يقف بين يدي الحسين “عليه السلام”قائلاً: “والله لو وددت أنأُقتل ثم أُحرق ثم أُذرى في الهواء، ثم يُفعل بي ذلك سبعين مرة، ما تركتك يا أبا عبدالله”.

إنها كلماتٌ لا يمكن تفسيرها إلا بعشقٍ تجاوز حدود الدنيا ومصالحها، ورأى في نصرةالإمام الحسين “عليه السلام”طريقاً إلى رضوان الله وكرامته.

وهذا علي الأكبر “عليه السلام”، شبيه رسول الله “صلى الله عليه وآله”، يسأل أباه فيطريق كربلاء: أو لسنا على الحق؟

فيجيبه الإمام الحسين “عليه السلام:” بلى والله.

فيقول علي الأكبر بكل يقين: إذن لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا.

أما القاسم بن الحسن “عليه السلام”، ذلك الفتى اليافع، فيسأله عمه الحسين “عليهالسلام”: كيف ترى الموت عندك يا بني؟

فيجيب بكلماتٍ خلدها التاريخ: في سبيلك يا عم أحلى من العسل.

هذه المواقف التي تتردد على أسماعنا في كلِّ عام ليست مجرّد أحداثٍ تاريخيةٍ تُروى،بل هي صورٌ حيةٌ للعشق الحسيني في أسمى تجلياته؛ عشقٌ جعل أصحابه يرونالتضحية في سبيل الحق شرفاً، ويرون الموت مع الحسين”عليه السلام” حياةً خالدة.

وهنا يبرز السؤال المهم: كيف نجسد العشق الحسيني في وقتنا المعاصر؟

إن العشق الحسيني لا يقتصر على الدموع والمشاعر، على عظمتها وأهميتها، فقد بكىالإمام الحسين “عليه السلام”رسول الله “صلى الله عليه وآله” قبل شهادته بأكثر مننصف قرنٍ، وبكته الملائكة المقرّبون، والأنبياء والمرسلون، والأئمة الطاهرون، بل إنمأساة كربلاء هزّت مشاعر كثيرٍ ممن شهدوا أحداثها. ومن هنا كان البكاء على الإمامالحسين “عليه السلام” رسالةً خالدةً عبر الأجيال، لا يزيدها مرور السنين والأعوام إلاحضورًا وتأججًا في الوجدان.

غير أن العشق الحسيني لا يقف عند حدود الدموع، بل يمتد ليتجسد في الاقتداءبالحسين “عليه السلام” في مواقفه وقيمه. فالعاشق للحسين هو من يقف مع الحقوإن كان مكلفاً، ويرفض الظلم وإن كان السكوت عنه مغرياً، ويتمسك بالمبادئ وإنخالفه الناس.

والعاشق للحسين هو من يتحلّى بالأمانة والصدق والوفاء، ويجعل من أخلاق الحسينمنهجاً في حياته، ومن تضحيته درساً في البذل والعطاء، ومن وعيه وبصيرته نوراً يهديهفي مواقف الحياة المختلفة.

فالحسين “عليه السلام” لم يكن مشروع دمعةٍ فقط، بل كان مشروع وعيٍ وإصلاحٍونهضة. وكلما ازداد الإنسان قرباً من هذه القيم، ازداد قرباً من الحسين “عليه السلام”،وتجسّد العشق الحسيني في سلوكه ومواقفه وعلاقاته.

إن العشق الحسيني الحقيقي ليس أن نسأل: كم نبكي على الحسين؟ بل أن نسأل: كمتغيّرنا بالحسين؟

إن كربلاء لم تكن حدثاً انتهى في سنة إحدى وستين للهجرة، بل مدرسةً متجددةً فيصناعة الإنسان الحر، وستبقى شُعلة الحسين “عليه السلام” متقدةً في القلوب، تُلهمالأجيال معنى الكرامة والثبات والتضحية.

فطوبى لمن أحب الحسين “عليه السلام”، وأعظم من ذلك طوبى لمن جعل من حبهللحسين “عليه السلام” طريقاً للسير على نهجه، والاقتداء بقيمه، والعمل برسالته.