د.محمد محفوظ

يرتكز تقدم المجتمعات ونهضتها الحضارية على العلم، بوصفه الطريق الأوسع لبناء الإنسان، وصناعة القوة، وتحقيق التنمية. فالجهل عدو الحضارة، والعلم هو الجسر الذي تنتقل عبره الأمم من التراجع إلى الفاعلية، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن الجمود إلى الإبداع.

وينطلق هذا المعنى من الهدي النبوي الذي جعل طلب العلم قيمةً مركزية في حياة المسلم؛ فقد قال رسول الله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وقال ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة». كما بيّن مكانة العلماء بقوله ﷺ: «إن العلماء ورثة الأنبياء». ومن هذا المنطلق كان العلم في الحضارة الإسلامية أساسًا للبناء والإصلاح والنهضة.

ينطلق المقال من التأكيد على أن الإنسان لا يُبنى بعقله وحده ولا بجسده وحده، بل بوصفه كيانًا متكاملًا: عقلًا وجسدًا ووجدانًا. ومن هنا فإن أي مشروع وطني أو حضاري لا يضع الإنسان في مركز اهتمامه، سيبقى مشروعًا ناقصًا مهما امتلك من إمكانات مادية.

أولًا: الشباب ثروة الوطن الدائمة

يمثل الشباب الطاقة الحية لأي مجتمع، وهم رصيد المستقبل وعماد التنمية. ولا يكفي أن نفخر بأن الشباب يشكلون النسبة الأكبر من المجتمع، بل الفخر الحقيقي يكمن في بناء المؤسسات والبرامج القادرة على احتضانهم، وتطوير قدراتهم، وتمكينهم من المشاركة في مشروعات البناء الوطني.

ويتطلب ذلك الاهتمام بالتربية بوصفها الجسر الذي ينقل الإنسان من الهامشية إلى تحمل المسؤولية، إلى جانب تنمية حس العطاء والبذل والتطوع في نفوس الشباب، حتى تتحول طاقاتهم إلى قوة فاعلة في خدمة الوطن والمجتمع.

ومن هنا فإن الحديث عن الشباب يقود بالضرورة إلى الحديث عن الإنسان نفسه؛ فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية، بل هم التعبير الأوضح عن قيمة الإنسان بوصفه محور التنمية وغايتها.

ثانيًا: الإنسان محور كل تنمية

العالم يتقدم بسرعة في مجالات العلم والتقنية والمعرفة، ولا يمكن للمجتمعات العربية والإسلامية أن تواجه هذا التحول بالوسائل التقليدية أو المعالجات الجزئية. فالمشكلة في جوهرها حضارية، ولا تُعالج إلا برؤية حضارية تجعل الإنسان أولًا.

فالإنسان هو الرأسمال الحقيقي لأي وطن، وكل مشروعات التنمية الاقتصادية والثقافية والتعليمية ينبغي أن تتجه إلى رفع كفاءته، وتنمية وعيه، وصقل مواهبه. كما أن التقدم لا يتحقق بمجرد استيراد مظاهر الحضارة، بل ببناء الإنسان القادر على إنتاجها والتعامل معها بوعي ومسؤولية.

وإذا كان الإنسان هو محور التنمية، فإن ترجمة هذه القناعة إلى واقع عملي تقتضي الانتقال من منطق الشكوى إلى منطق البناء وصناعة المبادرات والمؤسسات.

ثالثًا: البناء بدل الهدم

يدعو المقال إلى الاهتمام بمشروعات البناء لا بمشروعات الهدم، وإلى إشعال شمعة بدل الاكتفاء بلعن الظلام. فالأمم لا تتقدم بمجرد تشخيص الداء أو نقد الواقع، بل بقدرتها على صناعة البدائل، وبناء المؤسسات، وتوجيه الطاقات نحو ما يرفع مستوى الإنسان والمجتمع.

ولأن جهود البناء لا تؤتي ثمارها في بيئة يسودها الانقسام والتنازع، فإن الحفاظ على التماسك الاجتماعي والحوار البنّاء يصبح شرطًا أساسيًا لاستمرار التنمية.

رابعًا: الوحدة الاجتماعية والحوار

قوة المجتمع لا تقاس بما يملكه من ثروات مادية فقط، بل بمتانة علاقاته الداخلية، وبقدرته على حماية وحدته من سوء الظن والقطيعة والكراهية. لذلك يؤكد المقال أهمية حسن الظن، والاحترام المتبادل، والحوار الدائم بين مكونات المجتمع.

فالاختلاف في الرأي أو الفكر لا يبرر الشحناء أو الظلم أو الإقصاء، بل ينبغي أن يكون دافعًا إلى الحوار والتفاهم. ولا يمكن للحوار الوطني أن ينجح إلا بإصلاح ثقافي وفكري، ونقد ذاتي صادق، ومراجعة للموروثات التي تعمق الجفاء بين الناس.

ومن ثمار هذا التوافق المجتمعي أنه يهيئ البيئة المناسبة للاستثمار في التعليم، بوصفه الأداة الأهم لتحويل الطاقات البشرية إلى قدرات إنتاجية ومعرفية.

خامسًا: التعليم الفني والتقني قوة إنتاج

يشدد المقال على أن التعليم، ولا سيما التعليم الفني والتقني، يمثل أحد أهم جسور النهضة. فالمجتمعات المتقدمة لم تحقق تفوقها إلا حين منحت المهارات الفنية والتقنية قيمتها الاجتماعية والمادية، وربطت التعليم بسوق العمل وحاجات التنمية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للمهن والحرف، وتوفير الحوافز المادية والوظيفية للتخصصات التقنية، ونشر ثقافة تقدس العمل والإنتاج، وتعتبر تنمية الموارد البشرية أساسًا في بناء الوطن.

وإذا كان التعليم يمد المجتمع بالمهارات والخبرات، فإن العلم يمنحه القدرة على الابتكار والتجديد وصناعة التفوق الحضاري.

سادسًا: العلم أساس الحضارة

العلم ليس ترفًا فكريًا، بل هو جذر الحضارة وقاعدة التقدم. ولا يمكن لأمة أن تنهض بثقافة التكرار والجمود، بل بثقافة الإبداع والحرية واحترام العلماء في كل التخصصات.

ويدعو المقال إلى إعادة الاعتبار للعلم والعلماء، وعدم حصر المكانة الاجتماعية في مجال واحد، بل منح التقدير لكل المبدعين في الدين والفلسفة والاجتماع والرياضيات والفيزياء والطب وسائر العلوم.

كما يؤكد أهمية الانفتاح على المنجز العلمي الحديث، وتشجيع الترجمة، وبناء مؤسسات علمية وطنية قادرة على توطين المعرفة الحديثة، وتخريج أجيال تملك أدوات العصر.

غير أن امتلاك المعرفة العلمية وتطوير المؤسسات البحثية لا يكتمل أثره ما لم ينعكس على طريقة التفكير ذاتها، فتتشكل عقلية علمية تحكم النظر إلى الواقع والتعامل مع تحدياته.

سابعًا: العقلية العلمية

لا يكفي امتلاك أدوات التقنية أو استيراد منتجات الحضارة، ما لم تتغير طريقة التفكير. فالعقلية العلمية تقوم على ربط النتائج بأسبابها، واعتماد البرهان لا الظن، والنقد لا التسليم، والعمل لا التمني.

وتتطلب العقلية العلمية تشجيع النقد المعرفي البنّاء، والانفتاح على الخطاب العلمي الإنساني، وتحرير التفكير من الخرافة والجمود، حتى يصبح العلم حاضرًا في إدارة شؤون المجتمع، وفهم مشكلاته، وصناعة مستقبله.

الخلاصة

إن العلم هو طريق القوة النوعية، والإنسان هو محور كل تقدم، والشباب هم ثروة الوطن الدائمة. ولا نهضة بلا تعليم، ولا تنمية بلا بناء الإنسان، ولا استقرار بلا وحدة وحوار، ولا مستقبل بلا عقلية علمية قادرة على النقد والإبداع والعمل.

وتتجلى هذه المعاني في توجيهات الرسول ﷺ التي رفعت من شأن العلم وأهله، وجعلت التعلم طريقًا للارتقاء في الدنيا والآخرة. فحين يتحول طلب العلم إلى ثقافة مجتمعية، ويصبح احترام المعرفة والعلماء قيمة راسخة، تتوافر للأمة أسباب النهوض والتقدم، وتستعيد دورها الحضاري في خدمة الإنسان والعمران.

ولهذا فإن المجتمعات التي تريد أن تمتلك مستقبلها، مطالبة بأن تجعل العلم أولًا ودائمًا، وأن تبني مؤسساتها على احترام المعرفة، وتمكين الشباب، وتنمية الإنسان، وترسيخ الحوار، وصناعة البدائل الحضارية القادرة على مواجهة تحديات العصر. إن الاستثمار الحقيقي ليس في الموارد وحدها، بل في العقول المبدعة والطاقات الشابة التي تحمل أحلام الغد وتصنع إنجازاته. وكلما تعمق الالتزام بالعلم، واتسعت فرص التعلم والبحث والابتكار، ازدادت قدرة الأمة على تحقيق التقدم والازدهار والمنافسة في عالم سريع التغير. ومن هنا فإن مسؤولية بناء المستقبل تقع على عاتق الجميع: دولةً ومؤسساتٍ ومجتمعًا وأفرادًا، للعمل معًا من أجل ترسيخ ثقافة المعرفة، وتمكين الأجيال الجديدة، ودعم البحث العلمي، حتى يصبح العلم قوةً دافعةً للتنمية الشاملة، ومنارةً تهدي مسيرة الوطن نحو مستقبل أكثر إشراقًا وكرامةً وتقدمًا.

تنويه:

نُشرت هذه المادة بصيغة مختصرة ومحررة اعتمادًا على مقال للباحث والكاتب الدكتور محمد المحفوظ، مع الحفاظ على المضمون والأفكار الرئيسة.