جمال المطوع

إِنَّ العُمْقَ الفَلْسَفِي والبُطُولِي لِهذِهِ النَّهْضَة المُبارَكَة الَّتِي قامَ بِها سَيِّدُ الشُّهَداء أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْن عَلَيْهِ السَّلام، تتجلى في إِعادَةُ جَوْهَرِ الإِسْلامِ إِلى أَصالَتِهِ وَحَيَوِيَّتِهِ وَاسْتِمْرارِيَّةِ بَقائِه فِي قالِبٍ مِثالِيٍّ ذِي أَبْعادٍ مُخْتَلِفَة، تَجَسَّدَتْ فِيهِ مَعانِي العَدالَةِ وَإِحْقاقِ الحَق، وَمُحارَبَةِ الظُّلْم وَالوُقُوف فِي وَجْهِ الباطِلِ وَمُناصِرِيه عَلى مَوازِينٍ رَبَّانِيَّة ثابِتَة لا تَتَغَيَّر، وَمَبادِئَ إِسْلامِيَّةٍ عَمِيقَةِ المَضْمُون وَالغايَةِ وَالهَدَف، لِكُلِّ مَنْ يَتَبَنَّاها وَيُؤْمِنُ بِها مِنْ بَنِي البَشَر وَرُوَّادِها الَّذِينَ جَعَلُوا مِنَ النَّهْضَةِ الحُسَيْنِيَّةِ مَسْلَكًا وَطَرِيقًا فِي تَحْقِيقِ ما يَصْبُونَ إِلَيْهِ من العزة والكرامةالانسانية.

فَكانَ الحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلام بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ قُدْوَةً وَأُسْوَةً وَمَنارَةً يَسْتَضِيئُونَ بِها، لِما تَحْتَوِيهِ سيرته مِنَ التَّضْحِيَةِ وَالفِداء وَالقِيَمِ النَّبِيلَة وَالأَخْلاقِ الفاضِلَة وَالسُّمُوِّ وَالصَّفاءِ الوِجْدانِيِّ مِنْ كُلِّ الشَّوائِبِ فِي الفِكْرِ وَالمُعْتَقَد، لِتَكُونَ خالِصَةً جَذَّابَةً لِكُلِّ دُعاةِ العَدْلِ وَالإِنْصاف، فَجاءَت الحَرَكَةُ الحُسَيْنِيَّة تُعْطِيهِمْ دافِعًا وَأَمَلاً، وَتُشَجِّعُهُمْ عَلى تَقْوِيمِ المُعْوَجِّ وَتَصْحِيحِ المَسارِ مِنَ الاضْطِهادِ وَالظُلامَةِ إِلى رُوحِ العَدْلِ وَالاسْتِقامَة، وَإِرْجاعِ الأُمُورِ إِلى نِصابِها، حَتَّى هَيَّأَه الله و ثُلَّةً مِنْ أَهْلِ الإِيمانِ وَقُوَّةِ العَقِيدَة، الَّذِينَ باعُوا الدُّنْيا وَما فِيها مِنَ الزَّخارِفِ وَالبَهارِجِ وَالمَلَذَّاتِ وَالشَّهَوات فِي سَبِيلِ رَفْعِ رايَةِ «لا إِلهَ إِلَّا اللهُ» خَفَّاقَةً كَلِمَةً وَمَعْنى، فَقَدَّمُوا أَنْفُسَهُمْ قَرابِينَ وَشُهَداءَ فِي سَبِيلِ إِحْقاقِ الحَقِّ وَدَحْضِ المُوبِقاتِ وَالمُهْلِكاتِ وَالدَّسائِس.

فَعَلَيْنا كَمُوالِين، إغْتِنامُ هذِهِ المُناسَبَةِ العَظِيمَة فِي إِيجادِ الأَرْضِيَّةِ الصَّالِحَة، وَالإسْتِفادَة مِنْها فِي رَسْمِ واقِعٍ نُكَرِّسُ فِيهِ كُلَّ ما يَجْمَعُ وَلا يُفَرِّق، وَهِيَ وَحْدَةُ الشَّمْلِ وَلَمُّ الصَّف، بَعِيدًا عَنِ المتاهاتِ وَالتَّشابُكِ الَّذِي نَحْنُ فِي غِنًى عَنْه، وَأَنْ نَكُونَ يَدًا واحِدَةً فِي مُواجَهَةِ الصِّعاب، وَالإبْتِعاد عَنْ رُوحِ العَصَبِيَّةِ وَالبُغْضِ وَالكَراهِيَة، وَأَلَّا نَتْرُكَ مَجالًا لِلْمُفْتِنِينَ وَمُفَرِّقِي الشَّمْل، وَأَنْ نَحْمِي مُجْتَمَعَنا مِنَ الأَفْكارِ الدَّخِيلَة، وَالإبْتِعاد عَمَّا يَمَسُّ الأَمْنَ الوَطَنِي وَالإجْتِماعِيّ، وَأَنْ يَنْصَبَّ جُلُّ إهْتِمامِنا عَلى إِحْياءِ هذِهِ الشَّعائِرِ الايمانية بِدُونِ مُنَغِّصاتٍ أَوْ مُكَدِّرات، وَأَنْ نَقْطَعَ دابِرَ مَنْ يُرِيدُ بِنا الفِتْنَةَ وَالتَّحارُب، وَنَعِيش حَرارَةَ المُصاب وَنَتَفاعَلَ مَعَهُ بِمَعْنَى الكَلِمَة.

كَما نُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَنَّهُ قالَ: «إِنَّ لِقَتْلِ الحُسَيْنِ حَرارَةً فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لا تَبْرُدُ أَبَدًا».

إِنَّ احياء هذِهِ الشعائر تَخْلُقُ أَجْواءً روحانية يَتَفاعَلُ مَعَها الجَمِيع، وَمِنْ أَجْلِها نَسْعَى وَنَتَسابَق عَلَيْها، حَتَّى تَمُرَّ شَعائِرُنا فِي سَلامٍ وَوِئام…

وَاللهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.