جمال المطوع
وَهَا نَحْنُ نَعِيش ذِكْرَى إسْتِشْهَادِ الْإِمَام عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْن زَيْنُ الْعَابِدِين (السَّجَّاد) عَلَيْهِ السَّلَام. الذي يعد رَمْزًا لِلْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَة، وَشُعْلَةً وَضَّاءَةً فِي التحمل وَالصَّبْرِ عَلَى الشَّدَائِد.
فهو قَامَ بِدَوْرٍ فَاعِلٍ وَحَيَوِيٍّ فِي مُجْرَيَاتِ وَاقِعَةِ الطَّفِّ الْأَلِيمَة، حَيْثُ إِنَّهُ كَانَ الْبَلْسَمَ الشَّافِي وَالطَّبِيبَ الْمُدَاوِي فِي فَوَاجِعِ وَمَآسِي أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِي، وَمَا تَعَرَّضُوا لَهُ مِنْ ظُلْمٍ وَحَيْفٍ وَاضْطِهَادٍ عَلَى أَيْدِي أَعْدَائِهِمُ الَّذِينَ لَا دِينَ لَهُمْ وَلَا مِلَّة. وَلَكِنَّهُ بِقُوَّتِهِ وَعَزِيمَتِهِ وَصَلَابَتِهِ أَصْبَحَ حَلْقَةَ الْوَصْلِ مَعَ عَمَّتِهِ عَقِيلَةِ الطَّالِبِيِّين السَّيِّدَة زَيْنَبَ عَلَيْهَا السَّلَام في مُتَابَعَةِ الْأَحْدَاثِ الْكَرْبَلَائِيَّةِ أَوَّلًا بِأَوَّل، وَذَلِكَ بِبَثِّ رُوحِ الثَّبَاتِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى مُوَاجَهَةِ الصِّعَابِ وَتَذْلِيلِهَا لِلْقَافِلَةِ وَالرَّكْبِ الْحُسَيْنِي، وَغَدَا شَوْكَةً فِي عُيُونِ أَهْلِ الْغَدْرِ وَالْجَوْرِ وَالطُّغْيَان، حَتَّى فِي عُقْرِ دَارِهِم.
وَهٰذَا فَيْضٌ مِنْ غَيْض، فَحَيَاتُهُ مَلِيئَةٌ بِأَدْوَارٍ وَأَبْعَادٍ مُتَعَدِّدَةِ الْجَوَانِب، تَعَبُّدِيَّةٍ وَفَلْسَفَةٍ هَنْدَسِيَّةٍ رَبَّانِيَّة، تُقَرِّبُ الْعَبْدَ مِنْ خَالِقِهِ فِي أُمُورِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّة، لِلْفَوزِ والتمسك بمبادئ النهضة الحسينية وَسُلُوكِ النَّهْجِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيم، وَالتي تَحْمِلُ فِي مَغْزَاهَا عَنَاوِينَ بَارِزَةً وَخَالِدَة، يَتَدَارَسُهَا وَيَتَدَاوَلُهَا كُلُّ ناشد للعدالة وطالب عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ وَهِدَايَة.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ والمحققين وَطُلَّابُ الْمَعْرِفَةِ عَلَى إن عِلْمِهِ وَزُهْدِهِ وَتَقْوَاهُ حقيقة لا لبس فيها ولا غبار عليها، وَمِنْ هُنَا انْطَلَقَ شُعَاعُ نُورِهِ وَفَضَائِلِهِ وَمَكَارِمِه، حَتَّى قِيلَت فِي حَقِّهِ قَصَائِدُ مِفْصَلِيَّةٌ خَالِدَةُ الْبَقَاء، يَتَغَنَّى بِهَا كُلُّ مُحِبٍّ وَمُوَالٍ، وَمِنْ أَشْهَرِ مَا قِيلَ فِيهِ قَصِيدَةُ الْفَرَزْدَقِ الشَّهِيرَة عِنْدَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَة:
«هٰذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْبَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ، وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ وَالْحَرَمُ»…الخ
كَمَا كَانَ مَحَلَّ إِشَادَةٍ مِنْ قِبَلِ عُلَمَاء باحثين، مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِي، الَّذِي قَالَ فِي فَضْلِ الْإِمَامِ وَمَكَانَتِهِ: «مَا رَأَيْتُ قُرَشِيًّا أَفْضَلَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ».
وتَمَيَّزَ الْإِمَامُ بِعَظِيمِ حكمه وفصيح خطابه
وبليغ كلامه، وَإِلَيْكُمْ أَشْهَرُ أَقْوَالِهِ وَحِكَمِهِ الْبَلِيغَة فِي الْعِبَادَةِ قَالَ: «نَظَرُ الْمُؤْمِنِ فِي وَجْهِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ لِلْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ عِبَادَةٌ».
وَفِي الْكَرَامَةِ وَعِزَّةِ النَّفْسِ قَالَ: «مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا».
وَفِي الرِّضَا وَالْقَنَاعَةِ قَالَ: «مَنْ قَنِعَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاس».
وَفِي الْعَفْوِ قَالَ: «مَا تَجَرَّعْتُ جُرْعَةً أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ لَا أُكَافِئُ بِهَا صَاحِبَهَا».
وَعُرِفَ الْإِمَامُ كَذٰلِكَ بِلَقَبِ «زَيْنِ الْعَابِدِين» لِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَتَهَجُّدِهِ، وَلُقِّبَ بِـ «السَّجَّاد» لِكَثْرَةِ سُجُودِهِ لله، كَمَا لُقِّبَ بِـ «ذِي الثَّفَنَات»؛ لِأَنَّ مَوَاضِعَ السُّجُودِ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ كَانَتْ تَتَصَلَّبُ وَتُصْبِحُ كَثَفَنَاتِ الْبَعِيرِ مِنْ شِدَّةِ الْعِبَادَة.
وَقَدْ تَرَكَ الْإِمَامُ إِرْثًا عَظِيمًا مِنَ الْأَدْعِيَةِ، يُسَمَّى هٰذَا الْإِرْثُ «بِالصَّحِيفَةَ السَّجَّادِيَّةَ»، وَهِيَ تُعْرَفُ بِـ «زَبُورِ آلِ مُحَمَّدٍ»، وَتُعَدُّ هٰذِهِ الصَّحِيفَةُ مَدْرَسَةً فِي التَّوْحِيدِ وَالْأَخْلَاقِ وَعَلَاقَةِ الْإِنْسَانِ بِرَبِّه.
فَسَلَامُ اللهِ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ، وَيَوْمَ يَمُوتُ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا.
المصدر: جمال المطوع







