جمال المطوع

مِمَّا لَا شَكَّ فِيه أَنَّ هُنَاكَ نَمَاذِجَ بَشَرِيَّةً مُخْتَلِفَةَ الْأَفْكَارِ فِي النَّهْجِ وَالْأُسْلُوبِ وَالتَّعَامُل، وَيُكْتَشَف هَذَا الْوَاقِعُ مِنْ خِلَالِ الْأَقْوَال وَرَبْطِهَا بِالْأَفْعَال وَالتَّصَرُّفَات النَّاتِجَة عَنْ ذَلِك، وَهَذَا يَعْتَمِدُ بِشَكْلٍ أَسَاسِي عَلَى رَدَّاتِ الْفِعْلِ وَالْفِعْلِ الْمُضَاد، مِمَّا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَعْتَقِدُونَه، هُنَا يَتَحَقَّقُ مَا نَوَدُّ الْإِشَارَةَ إِلَيْه بَيْنَ الْمَظْهَرِ وَالْمَخْبَر، فَهُوَ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ أَبْعَادًا كَثِيرَةً بِسَلْبِيَّاتِهَا وَإِيجَابِيَّاتِهَا، فالْحَكِيمُ الْفَطِنُ مَنْ اخْتَارَ أَصَحَّ الطَّرِيقَيْن، فَكَمْ مِنْ أَصْحَابِ الْمَظَاهِرِ الْخَدَّاعَةِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْوَفَاءَ وَالْإِخْلَاص وَالصِّدْقَ وَالْأَمَانَة وَيُطْلِقُونَ كَلَامًا مَعسُولاً لِمَنْ هُمْ عَلَى تَوَاصُلٍ بِهِمْ، وَفَجْأَةً يَقَعُونَ فِي حَبَائِلِ مَصَائِدِهِمْ عِنْدَ أَوَّلِ اخْتِبَار مَعَ مَنْ يَثِقُ بِهِمْ، لِيَكْتَشِفُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ عَكْس مَا يَقُولُونَ وَيَتَشَدَّقُونَ بِه، لِأَنَّ أَسَاسَ بُنْيَانِهِمْ بُنِيَ عَلَى الْكَذِبِ وَالْمَكْرِ وَالْخِدَاع، وَكَمَا قِيل: مَا بُنِيَ عَلَى بَاطِلٍ فَهُوَ بَاطِل، فَهُمْ مُجَرَّدُ ظَاهِرَةٍ صَوْتِيَّةٍ لَا أَثَرَ لَهَا، تَصْحَبُهَا تَدَاعِيَاتٌ غَيْرُ مَحْمُودَةِ الْعَوَاقِبِ فِي عَالَمِ الْوَاقِع، وَكَمَا يُقَال: عِنْدَ الإمْتِحَان يُكْرَمُ الْمَرْءُ أَوْ يُهَان.

وَأَرْوَعُ وَأَشْهَرُ مَا يُرْوَى فِي هَذَا الشَّأْن عَنِ الْإِمَام علي عَلَيْهِ السَّلَام فِي وَصْفِ الْمَظْهَرِ وَالْمَخْبَرِ وَحَقِيقَةِ الْبَشَرِ قَوْلُه: لِلنَّاسِ ظَاهِرٌ، وَالْمَظَاهِرُ تَخْدَعُ، فَلَا تَحْكُمَنَّ بِالَّذِي تَرَى وَتَتَسَمَّعُ.

وَعَلَى الضِّفَّةِ الْأُخْرَى هُنَاكَ أُنَاسٌ قَرَنُوا الْأَقْوَالَ بِالْأَفْعَال صِدْقًا وَحَقِيقَةً، فَمَخْبَرُهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَصَالَتِهِمْ وَنَجَاعَتِهِمْ وَصِدْقِ تَوَجُّهَاتِهِمُ النَّبِيلَة لِمَنْ يُحِبُّونَ وَيُعَاشِرُون، نُصْحًا وَإِرْشَادًا وَتَوْعِيَةً وَتَوْجِيهاً، وَيَصْدُقُ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ وَفَوْا بِمَا عَاهَدُوا النَّاسَ عَلَيْه، وَمَخْبَرُهُمْ يُغْنِيكَ عَنْ مَظْهَرِهِمْ، وَيَنْعَكِسُ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ أَخْلَاقِيَّاتٍ وَمُمَارَسَاتٍ وَعَادَاتٍ بُنْيَوِيَّةٍ قَامَتْ عَلَيْهَا أَرْكَانٌ رَاسِخَة فِي نُفُوسِهِمْ، لَا تَتَزَعْزَعُ فِي مَوَاقِفِهِمْ مَعَ مَنْ يَتَعَايَشُونَ مَعَهُمْ.

إِذاً…هُنَاكَ أَصْنَافٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنَ الْمَشَارِبِ الْبَشَرِيَّة، وَعَلَيْنَا أَنْ نَتَعَاطَى بِشَكْلٍ يُسَاعِدُنَا فِي تَشْخِيصِ مَنْ نَتَعَامَلُ مَعَهُمْ بِحِنْكَةٍ وَدِرَايَة، حَتَّى نَتَفَادَى الْمُفَاجَآت، وَنَخْتَارَ الْأَصْلَحَ وَالْأَنْفَعَ في مَسِيرَةِ قَافِلَةِ الْحَيَاة…والله الْمُوَفِّق.

المصدر: الكاتب جمال المطوع