تركي مكي العجيان – ذو الحجة – 2026م
لا يمثل الغدير حدثًا تاريخيًا في السيرة النبوية الشريفة فحسب، وليس مجرّد إعلانٍ لولاية أمير المؤمنين “عليه السلام“ على الأمة الإسلامية، بل هو ميثاقٌ نبويٌّ عظيم أراد رسول الله “صلى الله عليه وآله” أن يبقى حيًّا في وجدان الأمة وسلوكها عبر الأجيال.
فالإنسان قد يعيش ميثاقًا بينه وبين ربه، أو بينه وبين ذاته، غير أن الغدير يقدّم ميثاقًا يمتد إلى علاقة الإنسان بالآخرين، ويحوّل الإيمان من مجرّد اعتقادٍ إلى منهجٍ عملي في التعامل مع الناس.
إن الإيمان بالغدير لا يكتمل بمجرد الاعتقاد، بل يتجسد في الاقتداء بقيم أمير المؤمنين “عليه السلام“ وسيرته، حتى يتحول الغدير من ذكرى تُستحضر إلى منهجٍ يُعاش.
ومن هذا المنطلق نقف عند عددٍ من معالم ميثاق الغدير التي تجسدت في شخصية أمير المؤمنين “عليه السلام“ وسيرته.
أولًا: الوفاء بالعهد
يمثل الوفاء بالعهد أساس الثقة بين الإنسان والآخرين، ولذلك أكّد عليه الإسلام وجعله من القيم الكبرى، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ “سورة الإسراء، 34“.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الغدير بوصفه ميثاقًا إلهيًا عظيمًا، أكّد الله تعالى أهمية تبليغه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾“المائدة، 67“.
وحين بلغ رسول الله “صلى الله عليه وآله” هذا الميثاق للأمة، أصبح الإنسان مسؤولًا عنه في إيمانه به، كما أصبح مسؤولًا عن تجسيد قيمة الوفاء في حياته وعلاقاته. ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام: ((إن الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جُنّة أوقى منه)).
فالوفاء ليس مجرد قول، بل صدقٌ يتحول إلى سلوكٍ عملي يترجم التزام الإنسان بمبادئه وعهوده.
ثانيًا: صدق الحديث وأداء الأمانة
يمثل صدق الحديث وأداء الأمانة معيارًا حقيقيًا لمعرفة جوهر الإنسان، ولذلك لم تجعل النصوص الإسلامية كثرة العبادات وحدها مقياسًا للتقوى، بل دعت إلى النظر في أثرها على السلوك.
وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق “عليه السلام“: ((لا تغتروا بصلاتهم ولا بصيامهم، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة)).
ومن هنا فإن ميثاق الغدير لا يقتصر على إعلان الولاء، بل يتجسد في صدق الإنسان مع الناس، وفي حفظه للأمانات التي توضع بين يديه، مهما اختلفت صورها وأشكالها.
وقد وصف أمير المؤمنين “عليه السلام“ المتقين بقوله: ((إذا حدّثوا صدقوا))، لأن الصدق أساس الثقة، وركيزة العلاقات الإنسانية السليمة.
إن الإنسان الذي يجسّد ميثاق الغدير لا يُعرف بكثرة شعاراته، وإنما يُعرف حين يتحدث فيصدق، وحين يُؤتمن فلا يخون، وحين يلتزم فيفي، فتطمئن إليه النفوس وتثق به القلوب.
ثالثًا: القسط والعدل
من أهم القيم التي تحفظ الحقوق وتصون العلاقات الإنسانية قيمة القسط والعدل، وقد أكّد القرآن الكريم على ذلك بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ “الحديد، 25″، وقال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ “النحل، 90″؛ وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾“النساء، 58”.
وعند التأمل في المفهومين يمكن القول: إن القسط يرتبط بإعطاء الفرد حقه كاملًا، أما العدل فيرتبط باستقرار جميع الحقوق في مواضعها الصحيحة ضمن المنظومة العامة.
ومن هنا يمكن فهم اقتران المفهومين في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وفي الحديث الشريف عن الإمام المهدي “عجل الله تعالى فرجه الشريف”: ((يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا)).
فليس المطلوب أن يأخذ كلّ فرد حقه فحسب، بل أن تنتظم الحقوق جميعًا ضمن منظومة عادلة يتحقق فيها القسط للأفراد والعدل للمجتمع.
ومن هنا فإن ميثاق الغدير يدعو الإنسان إلى أن يكون حارسًا للقسط في حق الأفراد، وحارسًا للعدل في المنظومة العامة، حتى تستقيم العلاقات الإنسانية على الميزان الذي أراده الله تعالى لعباده.
رابعًا: رهافة الوجدان بحقوق الآخرين
يحرص الإنسان بطبيعته على أخذ حقوقه كاملة، غير أنالسؤال الأهم: هل يحرص على أداء حقوق الآخرين بالدرجة نفسها؟
إن ميثاق الغدير لا يدعو الإنسان إلى المطالبة بحقوقه فحسب، بل يدعوه إلى أن يكون شديد الحساسية تجاه حقوق الناس، فلا يتجاوز على حق، ولا ينتقص من كرامة، ولا يعتدي على مصالح الآخرين، بل يتعامل مع حقوق الآخرين كما يُحب أن يتعامل الآخرون مع حقوقه.
ولا يقتصر ذلك على الحقوق المالية، بل يشمل الحقوق النفسية والاجتماعية والإنسانية والفكرية وسائر ما يترتب للإنسان على أخيه الإنسان من حقوق واعتبارات.
ولذلك يجدر بالإنسان أن يجعل أمير المؤمنين “عليه السلام“بوصلةً له في هذا المجال، حيث يقول: ((والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملةٍ أسلبها جلب شعيرة ما فعلت)).
فإذا كان هذا موقفه من حق نملة، فكيف بحقوق البشر وكراماتهم ومصالحهم؟
ومن هنا يدعو ميثاق الغدير الإنسان إلى أن يمنح حقوق الآخرين مكانةً عالية في وجدانه، وأن يؤديها ويحافظ عليها كما يحب أن تُؤدى إليه حقوقه.
خامسًا: المبادرة بروح المسؤولية
تواجه المجتمعات في مختلف الأزمنة تحدياتٍ وقضايا تحتاج إلى من يتحمل مسؤولية معالجتها. وأمام هذه التحديات ينقسم الناس إلى فريقين: فريقٌ ينتظر الآخرين ليتحملوا المسؤولية؛ وفريقٌ آخر يُبادر إلى تحمّل المسؤولية ويسعى إلى الإصلاح والعطاء وخدمة المجتمع.
ومن هنا يتجلى أحد أبرز معالم ميثاق الغدير، وهو المبادرة بروح المسؤولية؛ فالغدير لم يقدّم للأمة قائدًا فحسب، بل قدّم لها نموذجًا عمليًا في تحمل المسؤولية والقيام بالواجب.
وقد تجسدت هذه الروح في شخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب “عليه السلام“ منذ بدايات الدعوة الإسلامية؛ فكان المبادر إلى نصرة الدين وتحمل أعباء الرسالة.
فهو أول الناس إسلامًا، كما ورد عن رسول الله “صلى الله عليه وآله”: ((أولكم ورودًا على الحوض أولكم إسلامًا، علي بن أبي طالب)).
وفي يوم الإنذار، حين دعا رسول الله “صلى الله عليه وآله” عشيرته إلى الإسلام، لم ينهض لتحمل المسؤولية ومؤازرته سوى الإمام علي “عليه السلام“.
وهكذا كانت حياة الإمام “عليه السلام“ مثالًا للمبادرة وتحمل المسؤولية، فلم يكن ينتظر من غيره أن يقوم بالواجب، بل كان يرى نفسه مسؤولًا عن الدين والأمة والمجتمع.
ومن هنا فإن ميثاق الغدير لا يدعو إلى مجرّد إعلان الولاء، بل يدعو إلى التمثل بروح أمير المؤمنين “عليه السلام“، وأن يكون الإنسان صاحب مبادرةٍ في خدمة دينه ومجتمعه والناس من حوله.
فمجتمع الغدير ليس مجتمع المتفرجين، بل مجتمع المبادرين. وكلّما اتسعت دائرة المبادرة وتحمل المسؤولية، اقترب المجتمع أكثر من روح أمير المؤمنين “عليه السلام” ومن القيم التي أراد الغدير ترسيخها في حياة الأمة.
الاستقامة على الميثاق
قد يؤمن الإنسان بمبدأ أو يلتزم بميثاقٍ لفترةٍ من الزمن، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في أصل الالتزام، وإنما في الثبات عليه والاستقامة في طريقه.
ومن هنا نفهم ما ورد عن رسول الله “صلى الله عليه وآله” حين قال: ((شيبتني سورة هود))، وأشار إلى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ “هود، 112”.
فالاستقامة ليست معرفة الطريق فحسب، بل الثبات عليه مهما تغيرت الظروف والأحوال.
ومن هذا المنطلق تمثل الاستقامة تتويجًا لميثاق الغدير؛ إذ لا يكفي أن يؤمن الإنسان بهذا الميثاق أو يعلن ولاءه لأمير المؤمنين “عليه السلام“، بل المطلوب أن يبقى ثابتًا على النهج الذي أراده الله تعالى ورسوله المصطفى “صلى الله عليه وآله“.
ولقد شهد يوم الغدير حضورًا واسعًا وإعلانًا واضحًا، غير أن الامتحان الحقيقي كان فيما تلا ذلك من مواقف واختبارات؛ فالثبات على الميثاق هو المعيار الذي يكشف صدق الانتماء وحقيقة الالتزام.
وتظهر القيمة الحقيقية للوفاء والصدق والأمانة والقسط والعدل ورعاية الحقوق والمبادرة حين تصبح كلفتها مرتفعة، وحين يترتب على الالتزام بها فوات منفعة أو مواجهة ضغوط الآخرين.
وهنا يتجلى معنى الاستقامة على الميثاق؛ بأن يظل الإنسان وفيًا لقيمه ومبادئه مهما تبدلت الظروف، كما جسد ذلك أهل البيت “عليهم السلام“ في سيرتهم ومواقفهم.
وفي نهاية المطاف يتبين لنا أن الغدير لم يكن مجرد حدثٍ تاريخي أو عقيدةٍ تُحفظ في الذاكرة، بل كان ميثاقًا متكاملًا أراد الله تعالى ورسوله “صلى الله عليه وآله” أن يتحول إلى منهج حياة.
فالغدير حين يتجسد في الوفاء بالعهد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وإقامة القسط والعدل، ورعاية حقوق الآخرين، والمبادرة بروح المسؤولية، يتحول من ذكرى تُستحضر إلى واقعٍ يُعاش.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كلّ إنسان على نفسه بعد كلّ حديثٍ عن الغدير ليس: ماذا نعرف عن الغدير؟ بل: كم من معالم الغدير حاضرة في سلوكنا وعلاقاتنا وتعاملاتنا اليومية؟
فهناك يبدأ الغدير الحقيقي، وهناك تتحول الولاية من شعارٍ يُقال إلى ميثاقٍ يُجسد في حياة الإنسان.
وكلما اقترب الإنسان من هذه المعالم اقترب من روح الغدير التي أرادها رسول الله “صلى الله عليه وآله” للأمة.






