تركي مكي العجيان – ذو الحجة 1447هـ – 2025م
يعيش الإنسان في حياته ضمن اتجاهين، ويتحرك بينهما طوال رحلته في الحياة الدنيا.
الاتّجاه الأول: الحياة المعاصرة.
في عصرٍ تتسارع فيه التحولات العلمية والتقنية والاجتماعية بصورة غير مسبوقة، يجد الإنسان نفسه مطالبًا بمواكبة هذه المتغيرات والتكيف معها بشكلٍ مستمر.
فهو يسعى إلى تطوير ذاته، وتنمية موارده الاقتصادية، وتأمين احتياجاته واحتياجات أسرته، ومتابعة ما يستجد من أدوات وتقنيات ووسائل تؤثر في مختلف جوانب حياته. وتستغرق هذه المسيرة جزءًا كبيرًا من وقته وجهده واهتمامه، حتى أصبحت تُشكل جانبًا رئيسًا من برنامجه اليومي وتفكيره المستمر.
وفي خضم هذا الاتجاه، تتشكل لدى الإنسان معايير التقدم والتميز. فالتفوق الدراسي يعد مقياسًا للنجاح، والثراء الاقتصادي يعد علامة على التميز، والمكانة الاجتماعية تعد مصدرًا للتقدير.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي أضيف مقياس جديد إلى هذه المقاييس، فأصبح عدد المتابعين وحجم الانتشار والتأثير الجماهيري يمثل عند كثير من الناس مؤشرًا على النجاح والتميز والثقل الاجتماعي والمعرفي.
وأمام هذا التيار الجارف، قد لا يكون الإنسان دائمًا منساقًا إليه عن قناعة كاملة، بل يجد نفسه أحيانًا مدفوعًا إليه بحكم طبيعة العصر ومتطلباته. فالتقدم العلمي والتقني يفرض حضوره على الجميع، ومواكبة هذه المتغيرات أصبحت جزءًا من ضرورات الحياة المعاصرة، ولا يكاد يستثني أحدًا من تأثير هذا الواقع، مهما كانت توجهاته أو اهتماماته أو موقعه الاجتماعي أو الديني.
وهكذا ينشغل الإنسان بتحسين واقعه الدنيوي، ويسعى إلى مزيد من الإنجاز والتقدم والتميز وفق المقاييس التي يراها المجتمع من حوله علاماتٍ للنجاح والتفاضل بين الناس؛ وفي هذا السياق يقول الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ “الحديد، 20“.
الاتّجاه الثاني: المستقبل الأخروي.
يُمثّل المستقبل الأخروي الاتجاه الأهم، والذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في وعي الإنسان وهو يخطط لمسيرته في الحياة.
وإذا كانت مقاييس التميز في الاتجاه الأول ترتبط بالمستوى العلمي والقوّة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية وسائر المكتسبات الدنيوية، فإن مقاييس المستقبل الأخروي مختلفةً تمامًا عن ذلك.
ولا يعني ذلك أن يتخلى الإنسان عن أسباب النجاح في حياته، أو أن يبتعد عن طلب العلم أو السعي في الرزق أو بناء مكانته الاجتماعية، وإنما يعني أن تبقى هذه الأمور في موضعها الطبيعي، وألا تتحول إلى الغاية النهائية التي تستغرق وعيه وتحدد قيمة وجوده.
فالإنسان مطالب بأن يلتفت إلى الاتجاهين معًا؛ اتجاه حياته المعاصرة، واتجاه مستقبله الأخروي.
وإذا كان للحياة المعاصرة معايير خاصة للتقدم والتميّز، فإن المقياس الأبرز والأهم للمستقبل الأخروي يتمثّل في كلمةٍ واحدة: التقوى؛ والله تعالى يقول في كتابه الحكيم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ “الحجرات، 13”.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
إذا كان الإنسان يحرص على متابعة واقعه المعاصر في حياته الدنيا، ويضع له الخطط والمعايير التي تضبط مساره، فما البوصلة التي تجعل المستقبل الأخروي حاضرًا في وعيه وهو يعيش تفاصيل حياته اليومية؟
الغدير: بوصلة الوعي
لم تكن حادثة الغدير مجرد حادثة تاريخية مرّت في حياة رسول الله “صلى الله عليه وآله”، وإنما كانت حدثًا يحمل أبعادًا تتجاوز زمانه ومكانه، وتمتد إلى مستقبل الأمة ومسارها عبر الأجيال.
ففي تلك الحادثة لم يكن رسول الله “صلى الله عليه وآله” يتحدث عن تفاصيل الحياة المتغيرة، ولا عن التطورات العلمية أو التقنية التي ستشهدها العصور اللاحقة، وإنما كان يضع للأمة البوصلة التي تحفظ لها الاتجاه الصحيح في مسيرتها نحو مستقبلها الأخروي.
لقد أراد رسول الله “صلى الله عليه وآله” أن يجعل للأمة مرجعًا عمليًا يربطها بروح الرسالة وأهدافها وقيمها، ويجسد لها الهدي النبوي في واقع الحياة. فلا يكفي الإيمان النظري بالرسالة الخالدة، وإنما يحتاج المؤمن إلى نموذج حيٍّ يقتديبه ويهتدي بهديه.
ومن هنا جاءت حادثة الغدير لتقدّم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب “عليه السلام“ بوصفه النموذج الأكمل للاقتداء بالرسالة المحمدية، والامتداد الأصدق لهدي رسول الله “صلى الله عليه وآله“.
ولذلك فإن الغدير لا يقتصر في دلالته على إثبات ولاية أمير المؤمنين “عليه السلام“، وإن كانت الولاية جزءًا أصيلًا من معناه، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم نموذجٍ عملي يجسد قيم الرسالة ومبادئها وأهدافها في أرقى صورها.
ومن هذا المنطلق، فإن كلَّ من آمن برسول الله “صلى الله عليه وآله” نبيًا ورسولًا، وأراد أن يقتدي بهديه كما أمره الله تعالى، يجد في شخصية أمير المؤمنين “عليه السلام“ النموذج الأسمى للاقتداء بالهدي النبوي، بما مثّله من علم وعدل وإيمان وتقوى والتزام كامل برسالة الإسلام.
وهكذا، فإن على الإنسان في أقواله وأفعاله ومواقفه، وفي مختلف تحركاته ومساراته في الحياة، أن يجعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب “عليه السلام“ وسيرته ونهجه نصب عينيه؛ ليكون البوصلة التي تهديه إلى هدي رسول الله “صلى الله عليه وآله”، ومن خلاله إلى هدي الله سبحانه وتعالى.
وفي نهاية المطاف: إذا كانت الحياة تمتلئ بالخيارات المتعددة والاتجاهات المتباينة، فإن المقياس الأسمى الذيينبغي للمؤمن أن يرجع إليه في تحديد موقفه ومساره يتمثل في أمير المؤمنين “عليه السلام“ قولًا وفعلًا وموقفًا.
وبمعنى أعمق، فإن الغدير لا يدعو الإنسان إلى مجرد الاعتقاد بأمير المؤمنين “عليه السلام“، وإنما يدعوه إلى الالتزام بمنهجه، واستحضار قيمه، والاقتداء بسيرته في مختلف أبعاد الحياة؛ ليبقى متصلًا بالهدي النبوي، وسائرًا في الاتجاه الذي يقوده إلى رضوان الله تعالى.







