محمد المحفوظ
مفتتح:
ثمة علاقة عميقة بين الإيمان والعلم، بوصف أن العلم هو أحد جسور الإيمان، فكلما ازداد الإنسان علما، ازداد قدرة على معرفة واكتشاف حقائق الكون الربانية. كما أن قيم الإيمان تدعو إلى العلم وتحث على تعلمه، وبذل الجهود من أجله. ولكن لعوامل عديدة، حينما سادت في مجتمعاتنا قيم التخلف والانحطاط، سادت نزعات الخرافة والسحر والشعوذة، وغابت قيم العلم والأخذ بالأسباب. لذلك لا يمكن مواجهة هذه النزعات المقيتة والخطيرة، إلا بالعودة إلى قيم الإيمان التي تعلي من شأن العلم و الأخذ بالسنن والنواميس الربانية.
وأصحاب الضمائر الميتة والنفوس المريضة والعقول الشيطانية، يتسع تأثيرهم في أي فضاء اجتماعي، يتخلى عن حقائق الإيمان ويستصغر شأن العلم والمعرفة. لذلك إذا أردنا قطع الطريق على أولئك النفر المريض، فلا سبيل لنا إلا تعميم الوعي الديني والاجتماعي المستند على حقائق العلم والفكر السنني.
الفكر السنني:
وهذه الحقيقة الإسلامية، ثاوية في كل تشريعات الإسلام وأنظمته الشخصية والاجتماعية والعامة.. فلا مجال في هذا السياق للصدفة أو الحظ، وإنما هي مجموعة من القواعد والنواميس الربانية التي تدير حياة الإنسان فردا وجماعة.. لهذا فإن مجتمعاتنا الإسلامية، أحوج ما تكون إلى العودة إلى الفكر السنني وعالم الأسباب والمسببات.. فكل الظواهر المجتمعية، هي وليدة ونتاج عالم الأسباب والمسببات.. والخالق عز وجل يجري قدرته في الوجود الإنساني من خلال عالم الأسباب والمسببات.
وإن التغافل أو التحايل على الفكر السنني، باللجوء إلى الخرافة والشعوذة، فإنه لنيفضي على المستوى الواقعي، إلا البعد عن السماء وأنظمة الباري عز وجل في الوجود.
وفي سياق محاربة الخرافة والشعوذة في مجتمعاتنا نود ذكر النقاط التالية:
1. أهمية أن يتجه الخطاب الديني والثقافي في المجتمع، باتجاه تعزيز الفكر السنني وصياغة مقولات تحليلية متكاملة، انطلاقا من تشريعات الإسلام وأنظمته وقوانينه.. لأن الظواهر الاجتماعية، هي ظواهر مركبة، ولا يمكن معالجتها بخطاب وعظي – وصفي،وإنما بخطاب معرفي – تحليلي، يناقش كل الاحتمالات والعوامل، ويصل إلى نتائج معرفية من جراء الدراسة والتحليل وليس وليدة الانطباع والرغبة المجردة.
ونهيب في هذا السياق، بكل الأطراف التي تساهم في صياغة وصناعة الخطاب الديني والثقافي، للالتفات إلى هذه المسألة.. فالموعظة الأخلاقية ضرورية، لأنها حياة القلوب، ولكن الاكتفاء بها لا يساهم في معرفة نواميس وقوانين الباري عز وجل في الوجود الاجتماعي والإنساني. والانتقال بالخطاب الديني والثقافي من المستوى الوعظي إلى المستوى المعرفي، يتطلب الكثير من الجهود والإمكانات العلمية والمؤسسية،والمطلوب هو بناء إستراتيجية علمية متكاملة على هذا الصعيد.
2. العمل وبذل الجهد المتواصل، لتعميم الوعي الديني والثقافي على مساحات المجتمع المختلفة.. لأنه لا سبيل لمواجهة الخرافة وكل أشكال الشعوذة، إلا بغرس الوعي الديني والثقافي في نفوس وعقول أبناء المجتمع، حتى يتمكن أبناء المجتمع من إفشال ونبذ كل أشكال التحايل التي يستخدمها صانع الخرافة والمشعوذ.. فتعزيزالوعي المستند على عالم الأسباب والمسببات، هو الكفيل في مواجهة كل نزعاتالخرافة في الفضاء الاجتماعي.
3. لعوامل وأسباب عديدة، لسنا في صدد بيانها وتوضيحها، يشكل المجتمع النسوي، هو الحاضن الأبرز للقبول أو التعاطي بنية حسنة مع المشعوذين وصناع الخرافة في المجتمع.
من هنا فإن النساء الواعيات والعالمات في المجتمع، يتحملن مسؤولية مضاعفة على هذا الصعيد.. فالمطلوب هو تطوير الخطاب الديني والثقافي النسوي، وتطوير المناشط الثقافية والاجتماعية النسوية، وتعزيز الفكر السنني في الفضاء النسوي، حتى تتمكن المرأة في مجتمعنا، من المساهمة الإيجابية في مواجهة نزعات الخرافة والشعوذة.. فوعي المرأة هو الذي يحدد إلى حد بعيد، قدرة مجتمعنا على مواجهة هذه المخاطر،التي تفتك بنا من الداخل، وتحول دون بناء حياة اجتماعية سليمة وقادرة على مواجهةالتحديات.
فالإنسان الذي يعاني من مشكلة ما، أو المصاب بمرض نفسي أو جسمي ما، ينبغي أن يتبع الأساليب والطريقة العلمية في معالجة هذه المشكلة أو هذا المرض.. أما الهروب من هذه المعالجات العلمية الصحيحة، واللجوء إلى الخرافة والشعوذة، فإنه يفاقم من الأمراض ويزيد من المشكلات.. إضافة إلى أن هذا اللجوء لا ينسجم والتشريعات الإسلامية التي تستند في كل المراحل إلى العقل والأخذ بالأسباب بعيدا عن أي تواصل أو لجوء إلى وسائل لا يرضاها الباري عز وجل ولا يتقبلها العقل الإنساني السليم.. فالمطلوب دائما وفي كل الأحوال الالتزام بمقولة (اعقلها وتوكل) أي على الإنسان فيكل أحواله، أن يأخذ بالأسباب والسنن ويتوكل على الله لنيل التوفيق.. فنحن إزاء أي مشكلة سواء كانت خاصة أو عامة، ينبغي أن ندرسها بعمق، ونبحث عن التفسير الدقيق لها، وعلى ضوء هذه الدراسة والتفسير نختار السبل الناجحة في مشروع المعالجة.
فالمطلوب دائما عقلا وشرعا هو الوقوف بحزم ووعي في آن ضد كل أشكال الخرافة واللجوء إلى الشعوذة والمشعوذين.. لأن هذه الأشكال والممارسات يرفضها ديننا الإسلامي الحنيف، وتزيد من الإخفاقات والمشاكل.. فتعالوا أيها الأحبة من مختلف مواقعنا ندعو إلى العقل والعقلانية والأخذ بالأسباب والسنن التي أودعها الباري عزوجل في الكون والحياة.. وإذا أصابتنا مشكلة أو مصيبة، نبحث عن معالجتها انطلاقا منمبدأ الأخذ بالأسباب.. فهذا هو طريق النجاة، وهذا هو سبيل إخراج أبناء مجتمعنا منكل الألاعيب والتحايلات التي تستهدف جيوبنا وسرقة أموالنا واطمئناننا النفسي والاجتماعي.
فلنقف جميعا ضد الخرافة، وكل من يسوّق للشعوذة والتلاعب بمشاعر الناس.
العلم ومصادر القلق:
يظهر من تاريخ الإنسان على وجه هذه البسيطة، أنه كلما تطورت الحياة التي يعيشها الإنسان، تبدلت مواضيع القلق ومصادر الخوف في حياة الإنسان.
فلكل زمن مصادر قلقه، ومواضيع أزمته واللازمة الوحيدة في هذا المجال، هي استمرار القلق والخوف والأزمة في حياة الإنسان، بحيث أننا نستطيع القول، أن هذه الاستمرارية هي ملازمة لحياة الإنسان مهما تطور وضعه أو اخترع من ألآت وتقنيات. من هنا فإن مفهوم السعادة الذي ينشده الإنسان على وجه هذه الأرض، لا يعني خلو واقعه من القلق والخوف، وإنما يعني على المستوى الواقعي، تحسين شروط وجود الإنسان على هذه الأرض في المستويين المعنوي والمادي.
والحضارة المعاصرة، تخترع الكثير من الحاجات المعاصرة، كي تليها حاجات، وكأن الحاجة (بالمعنى العام) هي المحفز الحقيقي على التطور والوصول إلى صناعات تقنية رفيعة المستوى. وقد أشار (مالينوفسكي) إلى هذه الحقيقة بقوله: لا يمكن أن يكونهناك اختراع أو ثورة أو تحول ذهني أو اجتماعي ما لم توجد حاجات جديدة.
وبطبيعة الحال فإن هذه الحاجات متجددة متغيرة، لذلك هي التي تضع الإنسان المعاصر، في دائرة القلق والخوف، وتضيف مع التطور المادي والتقني الهائل مشاعر الحرمان والنقص عنده. وأن كل تقدم على حد تعبير كتاب (العلم في نقد العلم ودراسات في فلسفة العلوم) يحصل على مستوى المعارف والتقنيات، يتطلب استقلالية متزايدة عند الأشخاص ووعيا أعمق للحرية، وهو ما ليس من المؤكد حصوله حتى الآن على مستوى عام وشامل.
فالإنسان في العالم الثالث مثلا، يخضع لعبودية مركبة، فهو لا يزال يعاني الجوع والمرض والقهر، وفي نفس الوقت، يخضع لعبودية الأدوات الحديثة: تلفزيون ـ وسلع استهلاكية مشابهة، تشكل له التعويض الموهوم لحريته الفعلية والجوهرية المفقودة، هذا الإنسان يتطلع إلى الهرب من عالمه (الجنوب) إلى العالم الآخر (الشمال).
أن هذا بالذات، أحد أقسى جوانب العبودية الحديثة وأن النمط الاستهلاكي الذي تغذيه ثقافة الحضارة المعاصرة، لا يقتصر دوره السلبي على تشتيت جهود الفرد وإدخاله في عالم الشيزوفرينيا المعطلة لكل طاقاته وإمكاناته. وإنما يتعدى ذلك ويصل إلى مستوى أن لهذا النمط الاستهلاكي الدور الرئيسي، في القضاء على البنية التحتية الكونية (إذا جاز التعبير) فمثلا الاستخدامات المتصاعدة للمواد المنتجة من الأشجار، يؤدي إلى القضاء على أعداد متزايدة من الأشجار، فهنالك غابات بأكملها تختفي سنويا.
وإذا علمنا أن (30%) منها فقط صالحة للزراعة وأن كل (10 مم) من التراب تحتاج الأرض لإنتاجها من (100) إلى (400) سنة وتحتاج الأرض إلى ما بين (3000) و(12000) سنة لإنتاج عمق كاف للزراعة أدركنا المخاطر المترتبة على تعاظم النمط الاستهلاكي في حياة الإنسان.
وكلما تقدم الإنسان في علمه واختراعاته تطورت في المقابل مصادر قلقه وخوفه وأصبحت القيمة الكبرى، هي الكسب، ذلكم هو عالم الآلة المسفسطة المهيمنة على حياتنا وكما يقول (ديزاكو وإيكيدا) و كذلك الإنسان الذي تصيره الآلة على صورتها ومثالها، فهو يكاد يفقد عافيته واستقلاله وذاكرته التي تصير آنية.
أن الأزمة التي تهز البشرية اليوم ليس مصدرها الخارج وتسول لي نفسي أن أقول أن المنزل الذي نعيش فيه ليس مهددا بإعصار ظاهر من الأفق، وإنما يهدده شاغلوه(البشر) المتنافسون في سباق الكسب الذين يتخاصمون على أثاثه ويقتلعون سقوفه وأخشاب أرضيته وينخرون ركائزه فيهددونه بالانهيار. إذا وصل العلم إلى مستوى من القدرة على التلاعب بماهية الإنسان وجوهره، وذلك بالتلاعب في الكروموزوم والجين المورث. إضافة إلى تخريب البيئة، وتدمير عناصرها الأساسية فيكفي أن نعرف، أن طنا مستهلكا من الفحم يطلق في الهواء نحو عشرين كيلو غرام من الان هيدريد الكبريتي.
وتتلقى سماء فرنسا (كما يقرر كتاب شرق وغرب حوار في الأزمة المعاصرة) منه أكثرمن ثلاثة ملايين ونص مليون طن سنويا، وحين يلامس الماء العالق في الجو يتعرض لسلة من التحولات تنتهي إلى حمض الكبريتيك. وأن مدينة باريس تتلقى في السنة تسعين ألف طن من الرماد وخمسة عشر ألف طن من الغبار. وأن في الكيلو متر المربع من نيويورك أربعين طنا من النفايات الضارة العالقة.
وبهذا يكون التقدم المادي الذي ينتجه العالم الغربي، يحمل الأزمة والشرور التي تعاني منها البشرية جمعاء، بما فيها المجتمعات التي صنعت هذا التقدم. إذ أن التقدم بمجالاته المادية الواسعة، لم يصبح هو الطموح النهائي للإنسان، إذ سرعان ما ظهرت في حياة الإنسان تطلعات وأمنيات وحاجات عقلية وروحية بحاجة إلى إشباع وتلبية إلى متطلباتها.
ويشير إلى هذه المسألة (رينيه هويغ) بقوله: أن الحضارة الجديدة تؤمن للإنسان ولاريب سيطرة على العالم الخارجي لم يكن بوسعه أن يحلم بها من قبل هذا من جهة ولكنه من جهة أخرى يدفع الثمن لهذه الميزة التي لا يتعلق إلا بحاجاته ورغباته خللا في التوازن بل بترا داخليا لأنه مضطر بالمقابل أن يخنق أعمق وظائف الحياة وأن يوقف نموها، وأن يخنق في الوقت نفسه أسمى هذه الوظائف ويوقف نموها.
وهذا بطبيعة الحال لا يعني أن العودة إلى عصر ما قبل الحضارة والتقنية هو الحل. ولكننا نريد القول، أن التقدم العلمي والتكنولوجي، ينبغي أن يصاحبه تزايد في الوعي وحضور للأخلاق وسلكته في عمليات التطور العلمي، فمستقبل الإنسان مع هذا التطور العلمي والتقني الهائل المنضبط بضوابط قيمية وروحية وأخلاقية، بإيقاظ إنسانية الإنسان، وبلورة غايات إنسانية عليا، يسعى إنسان هذا العصر إلى تحقيقها والوصل إليها.







