في محيط الكعبة المشرفة تتجلى قداسة المكان وتتجدد معاني الخشوع والامتثال، حيث يشكل الحجر الأسود والركن اليماني معلمين تعبديين بارزين ارتبطا بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأصبحا جزءًا من تجربة الطواف الروحية التي يعيشها ملايين المسلمين في المسجد الحرام.

ويقع الحجر الأسود في الركن الشرقي للكعبة المشرفة، وهو الموضع الذي يبدأ منه الطائفون أشواطهم السبعة ويختمونها عنده. وقد ثبت في السنة النبوية استلامه وتقبيله إن تيسر ذلك، أو الإشارة إليه مع التكبير عند تعذر الوصول إليه، في تأكيد واضح على أن المقصود هو اتباع السنة دون التسبب في المشقة أو التزاحم.

ويتكوّن الحجر الأسود من عدة أجزاء متماسكة أحيطت بإطار من الفضة الخالصة لحفظها وتثبيتها، وقد شهد عبر العصور أعمال ترميم وصيانة دقيقة للحفاظ عليه ضمن بناء الكعبة المشرفة. ويلاحظ الطائفون العناية المستمرة بمحيطه من حيث النظافة والتنظيم، بما يتيح أداء الشعيرة بسكينة وانسيابية.

أما الركن اليماني، الواقع في الجهة الجنوبية من الكعبة المشرفة، فهو الركن الذي يلي الحجر الأسود في مسار الطواف. ويُسنّ استلامه دون تقبيل اقتداءً بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويستحب الدعاء بينه وبين الحجر الأسود، ومن أشهر ما يُقال في هذا الموضع قول الله تعالى:

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

ويمتد حضور هذين المعلمين في الوعي الإسلامي إلى جذور تاريخية عميقة تعود إلى بناء نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام للكعبة المشرفة، حيث بقيا شاهدين على تعاقب الأزمنة ووحدة قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

وتولي حكومة المملكة العربية السعودية عناية كبيرة بالكعبة المشرفة وأركانها، ضمن منظومة متكاملة من الخدمات الهندسية والتشغيلية والأمنية في المسجد الحرام. وتشمل هذه الجهود أعمال صيانة دورية وتنظيفًا مستمرًا باستخدام تقنيات حديثة، إضافة إلى تنظيم حركة الطائفين حول الحجر الأسود والركن اليماني لضمان سلامة القاصدين وانسيابية أداء الشعائر.

كما تُسخّر الجهات المعنية كوادر بشرية مؤهلة لإدارة حركة الحشود وتوجيه الطائفين، مع الاستفادة من أنظمة المراقبة والرصد الميداني، في إطار منظومة متكاملة تعكس حرص المملكة الدائم على خدمة الحرمين الشريفين وتيسير أداء المناسك لضيوف الرحمن.

ويبقى الحجر الأسود والركن اليماني شاهدين على قدسية البيت العتيق، حيث تتجدد عندهما مشاعر الخشوع في كل شوط من أشواط الطواف، في مشهد إيماني تتوحد فيه القلوب والوجوه نحو قبلة واحدة، تحت رعاية وعناية متواصلة بالحرمين الشريفين.