الاحساء- زهير بن جمعة الغزال
في الأحساء، واحة الراحة والرخاء، حيث يتنفس النخيل تاريخًا وتنبض الجدران بفنّالأجداد، لا يُعدّ التراث مجرد ماضٍ يُروى، بل حالة ارتباطٍ حيّة بين الإنسان وأرضه. هنا،حيث الحرفة هي “اللغة الأم”، تتولّد الأفكار التي تصل الماضي بالمستقبل وتعيد قراءةالهوية بروحٍ معاصرة.
ثقافة الرخاء في كل غرزة… تأكيد الانتماء
من هذا العمق الثقافي، تبرز تجربة أمل شاكر العليو، خبيرة اقتصادية وباحثة ومهتمةبالحرف اليدوية، تسعى إلى بعث الحياة في المنسوجات الحساوية وتحويل تفاصيلالتراث المادي إلى قطعٍ فنية تُرتدى وتُعاش. تجربة تجمع بين التحليل العلمي والحسّالإبداعي، لتؤكد أن الإبداع يمكن أن يكون جسرًا بين الاقتصاد والثقافة، وبين التخطيطوالهوية. فلم تمنعها لغة الأرقام والدراسات من الغوص في عوالم الخيط والسنارة، بلجعلت من الحرفة مساحة تطبيقية تُترجم فيها المعرفة إلى ممارسة حيّة.
هو دعوة لتأمل المنسوجات الحساوية بمنظور جديد؛ منظور يرى في “الطاقية” رمزًاللهوية المجددة وقطعةً تحمل في تفاصيلها روح الأرض وذاكرة الإنسان.
تجديد الروح في المنسوجات الرجالية
بينما عُرفت المنطقة تاريخيًا بصناعة البشوت الفاخرة، يتجه هذا العمل إلى تسليطالضوء على الطاقية الرجالية برؤية غير مسبوقة. لم تعد الطاقية مجرد غطاء للرأس، بلأصبحت مساحةً للتدوين الثقافي، يُترجم من خلالها التراث إلى باترون كروشيهمُستحدث يمزج بين التقنية اليدوية والرمزية البصرية للواحة.
من “النقوش” إلى “الخيط”.. ترجمة جمالية ناعمة
يكمن جوهر الابتكار في استلهام النقوش الجصية التي زيّنت البيوت والقصور التاريخية،لتُعاد صياغتها اليوم في غُرزٍ متقنة تنبض فوق النسيج. وقد استُلهمت هذه النقوشبعناية من رموز البيئة الأحسائية؛ من النخلة بدلالات العطاء والرسوخ، وتكويناتالسعف التي تعبّر عن الامتداد والظل، إلى البيذانة بوصفها مفردة تراثية تعكس علاقةالإنسان بالماء والأرض. وهكذا تحولت العناصر الطبيعية إلى لغة بصرية تُحاكي المكان،حيث انتقلت جماليات البيئة والعمارة من صمت الحجر إلى حيوية الخيط، لتصبحالطاقية قطعةً تحمل ذاكرة المكان وتؤكد أن التراث جزءٌ حي من تفاصيل الحياةاليومية.
الحرفة… ملاذ الإنسان واستمرارية الأصل
تنطلق هذه التجربة من قناعةٍ بأن الحرفة ليست نشاطًا جانبيًا، بل عنصرٌ من عناصرالتوازن الإنساني والتنمية الثقافية. فالحرفة – كما تراها أمل – مهارة يحتاجها الإنسانمهما بلغ من مراتب علمية أو اقتصادية، لأنها تمنحه لحظات تأمل وسكينة وتُبقيهمتصلًا بجذوره. كما تؤكد أن للحرفيين مكانةً خاصة في قلبها؛ فهم حَمَلة الذاكرة الحيّةوصُنّاع الجمال الصامت، وبهم يستمر وهج التراث وتبقى روح المكان نابضةً بالعطاء.
الحرفة هنا ليست مجرد إنتاج، بل ممارسة للانتماء وامتداد لذاكرة مجتمع
ويُذكر أن هذا المصنّف الفني التطبيقي مسجّل رسميًا لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية، في خطوة تؤكد أهمية حفظ الحقوق الإبداعية وصون الهوية الفكرية للمنتج الوطني، وتعكس وعيًا بأهمية توثيق الابتكار التراثي ضمن الأطر النظامية المعاصرة








