تقرير -المدار نيوز

بعد نهاية عام 2025، لم يعد التحول نحو المدفوعات الرقمية في السعودية مرحلة انتقالية أو مسارًا قيد الاكتمال، بل أصبح واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا ترسّخ في تفاصيل الحياة اليومية. فالتعامل بالنقد، الذي كان حاضرًا بقوة في الأنشطة الاستهلاكية، بات اليوم خيارًا ثانويًا أمام حلول رقمية أكثر انتشارًا وسهولة، في تحول هادئ لفت أنظار الصحافة الاقتصادية العالمية بوصفه نموذجًا سريع النضج في المنطقة.

هذا التحول لم يحدث دفعة واحدة، بل تشكّل عبر سنوات من التوسع في البنية التحتية المالية، وارتفاع جاهزية المجتمع لاستخدام التقنيات الرقمية، حتى دخلت السعودية مرحلة ما بعد 2025 وقد تجاوزت الأهداف المبكرة لتقليص الاعتماد على النقد. وهو ما انعكس بوضوح في طريقة الدفع داخل المتاجر، والخدمات، والأنشطة اليومية، حيث أصبحت البطاقات والمحافظ الرقمية والدفع غير التلامسي هي القاعدة السائدة.

صحيفة Bloomberg الأميركية تناولت هذا التحول في عدة تقارير، مشيرة إلى أن السعودية انتقلت من مرحلة نشر حلول الدفع إلى مرحلة “ترسيخ السلوك”، حيث لم يعد استخدام الدفع الإلكتروني محصورًا في فئات معينة، بل شمل مختلف شرائح المجتمع. ولفتت بلومبيرغ إلى أن التحول السعودي يتميز بقبول اجتماعي واسع، ما جعله أكثر استدامة مقارنة بتجارب أخرى في أسواق ناشئة.

وفي قراءة تحليلية متخصصة، رأت مجلة The Banker البريطانية أن ما بعد 2025 يمثل نقطة فاصلة في التجربة السعودية، حيث تحوّلت المدفوعات الرقمية من هدف تنظيمي إلى ممارسة يومية مستقرة. وأشارت إلى أن هذا التحول لم يكن تقنيًا فقط، بل مدفوعًا بتغير حقيقي في العادات الاستهلاكية، وثقة متزايدة في الأنظمة المالية الرقمية.

وتستند هذه القراءات إلى أرقام رسمية واضحة. فوفق آخر بيانات معلنة من البنك المركزي السعودي (ساما)، بلغت نسبة المدفوعات الإلكترونية من إجمالي مدفوعات التجزئة نحو 79% بنهاية 2024، مع تسجيل أكثر من 12.6 مليار عملية دفع إلكتروني خلال العام. ومع عدم صدور نسبة ختامية لعام 2025 حتى الآن، تشير المؤشرات البحثية الصادرة خلال 2025 إلى استمرار هذا الاتجاه التصاعدي، وتراجع الاعتماد على النقد إلى مستويات محدودة في الاستخدام اليومي.

بيانات قطاع الدفع العالمية دعمت هذا التوجه، حيث أظهرت تقارير بحثية صادرة خلال 2025 أن أكثر من ثلاثة أرباع المعاملات في السعودية أصبحت تُنجز بوسائل غير نقدية، مع حصر استخدام “الكاش” في معاملات بسيطة أو حالات استثنائية. وهو ما يعكس دخول السوق السعودية مرحلة نضج في منظومة الدفع، بدل الاكتفاء بمرحلة التوسع والانتشار.

اجتماعيًا، لم يكن هذا التحول بلا أثر. فالدفع الرقمي غيّر علاقة المستهلك بالإنفاق، حيث أصبح تتبع المصروفات أكثر وضوحًا عبر التطبيقات والإشعارات، ما أسهم في رفع الوعي المالي لدى شريحة واسعة من الأفراد. وتشير تحليلات اقتصادية غربية إلى أن المجتمعات التي تقلص اعتمادها على النقد تشهد تغيرًا ملحوظًا في أنماط الشراء، وميلاً أكبر للتخطيط المالي مقارنة بالإنفاق النقدي غير المراقب.

أما على مستوى السوق، فقد انعكس التحول بوضوح على أداء المنشآت الصغيرة والمتوسطة. فسهولة التحصيل، وتقليص التعامل بالنقد، وتسريع دورة السيولة، كلها عوامل رفعت كفاءة الأعمال اليومية. واعتبرت Financial Times أن التحول نحو المدفوعات الرقمية يسهم في تحسين الشفافية المالية، والحد من الاقتصاد غير المنظم، وتعزيز جاذبية بيئة الأعمال، وهو ما ينطبق على التجربة السعودية في مرحلة ما بعد 2025.

ورغم هذا التقدم، لا تغفل الصحافة العالمية التحديات المصاحبة، وعلى رأسها حماية البيانات، ومكافحة الاحتيال الرقمي، وتعزيز الثقافة الأمنية لدى المستخدمين. إلا أن التقييم العام يشير إلى أن السعودية تجاوزت مرحلة “الاختبار”، ودخلت مرحلة الاستقرار في مسار الدفع الرقمي، مستفيدة من بيئة تنظيمية داعمة وبنية تحتية متقدمة.

في المحصلة، لا يُقرأ التحول السعودي نحو تقليص النقد بوصفه تطورًا تقنيًا فحسب، بل تحولًا ثقافيًا واقتصاديًا أعاد تشكيل السلوك اليومي للمجتمع. وبعد 2025، بات واضحًا أن السعودية لا تسير نحو مجتمع أقل اعتمادًا على النقد فقط، بل رسّخت نموذجًا عمليًا للدفع الرقمي أصبح جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، في تجربة لا تزال تحظى بمتابعة وتحليل من الصحافة الاقتصادية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.