قصة إنسانية : المدار نيوز

في أحد الأزقة القديمة القريبة من سوق نزوى العتيق،

حيث تختلط رائحة النحاس المحمّى بصوت المطارق،

ويصعد الأذان من مسجد الحي بهدوءٍ يليق بالمدينة،

يقع محل صغير لا تتجاوز مساحته أمتارًا قليلة،

لكن حكاية صاحبه تتسع لمدينة كاملة.

ينادونه هناك “أبو راشد”،

واسمه الحقيقي ماجد بن ناصر،

رجل في منتصف الأربعينيات،

لم يعرف النور يومًا،

إذ وُلد فاقد البصر،

لكن الظلمة لم تجد طريقًا إلى قلبه.

لم يكن ماجد ابن أسرة ميسورة،

نشأ في بيت طيني بسيط،

تعلم منذ طفولته أن يصغي جيدًا،

فالأصوات بالنسبة له خرائط،

والتفاصيل تُقرأ باللمس،

والناس تُعرف بالنبرة لا بالوجوه.

درس في معهد للمكفوفين بمسقط،

وتعلّم القراءة بطريقة برايل،

لكنه أدرك مبكرًا أن الشهادة وحدها

لا تطعم أبناءً ولا تحمي كرامة رجل.

كان يسمع والده يقول دائمًا:

“الرزق يا ماجد ما يحتاج عينين،

يحتاج قلبًا صبورًا ويدًا أمينة”.

بعد وفاة والده،

تحمّل ماجد مسؤولية أسرته،

زوجة مريضة في بدايات الزواج،

وطفلان لم يعرفا من الدنيا سوى صوته.

بدأ العمل متدربًا في ورشة أجهزة كهربائية،

يحسب النبض الكهربائي بلمسة،

ويميز العطل من ارتجاف بسيط في المحرك،

حتى صار اسمه يتردد

بين البيوت والأسواق.

لم يثق به البعض في البداية،

كيف لرجل لا يرى

أن يصلح غسالة أو مكيفًا؟

لكن التجربة وحدها

كانت الرد الأقسى.

شيئًا فشيئًا،

صار الناس يتركون مفاتيح بيوتهم له،

ويذهبون مطمئنين،

فالأجهزة تعود للعمل،

والأمانة تعود بلا نقص.

لم تتوقف مهارته عند الإصلاح،

بل صار يضبط أطباق الأقمار الصناعية

مستعينًا بالصوت فقط،

حتى قال عنه أحد الزبائن:

“هذا الرجل يرى الإشارة قبل أن تظهر”.

في إحدى الليالي الماطرة،

تعرض المحل لحريق جزئي

بسبب ماس كهربائي،

وخسر ماجد أدواته البسيطة،

وظن الجميع أن النهاية قد حانت.

لكن صباح اليوم التالي،

وجد أهل الحي ماجد جالسًا أمام المحل المحترق،

يصلح جهازًا معطلاً بابتسامة هادئة،

وكأن شيئًا لم يحدث.

قالها يومها بصوت ثابت:

“الله ما أخذ منّي إلا شيء يعوضه،

لكن العزم إذا راح

ما يرجع”.

تكفّل أهل الحي بإعادة ترميم الورشة،

وجاء الدعم من حيث لم يحتسب،

حتى أصبحت ورشته اليوم

نقطة اعتمادٍ غير معلنة

لكل من تعطلت أجهزته في نزوى.

أما أولاده،

فقد كبروا وهم يرون أباهم

يبصر الحياة بقلبه،

ويتعلّمون أن الإعاقة

ليست في الجسد،

بل في الاستسلام.

ماجد لا يطلب شفقة،

ولا يحب أن تُروى قصته للثناء،

لكنه يؤمن بشيء واحد فقط:

أن الله إذا أغلق بابًا،

فتح للعبد بصيرةً

لا تُطفأ.

وفي زقاقه الضيق،

ما زال صوته يسبق خطاه،

وما زالت ورشته الصغيرة

تضيء،

رغم أن صاحبها

لم يرَ الضوء يومًا.