القطيف – المدار نيوز

تزخر محافظة القطيف بتاريخٍ غني في الحرف والصناعات التقليدية التي ارتبطت بحياة المجتمع المحلي، ومن بينها صناعة تقطير الأعشاب واستخلاص مياه النباتات العطرية والطبية، وهي مهنة عُرفت قديمًا في عدد من أحياء القطيف، وكان لبلدة الدبَّابية حضورٌ بارز فيها، حتى أصبحت إحدى أشهر المناطق التي اشتهرت بإنتاج مياه الأعشاب والعطور الطبيعية بطرق يدوية متوارثة.

واعتمدت هذه الصناعة، التي كانت تُعرف محليًا بعملية «التصعيد» أو «التقطير»، على تقنيات بسيطة لكنها دقيقة، حيث يُسخَّن الماء مع الأعشاب داخل أوعية معدنية محكمة الإغلاق، ثم يُمرَّر البخار عبر أنابيب تبريد ليتحوّل إلى سوائل نقية تُستخدم في العلاج الشعبي والعناية بالصحة وصناعة العطور.

وكان الحرفيون في الدبَّابية ينتجون أنواعًا متعددة من مياه الأعشاب، من أبرزها ماء الورد، وماء الزهر، وماء النعناع، وماء المرقدوش، وماء اللبان، وماء الهندباء، وماء الدارسين، إضافة إلى أنواع أخرى ارتبطت بالموروث الشعبي واستخدامات الطب التقليدي في المنطقة.

ومن أبرز رواد هذه الحرفة الحاج علي الحوري، الذي ورث أبناؤه المهنة عنه، واستمر نجله الحاج سعيد علي الحوري في ممارستها لعقود طويلة، حيث واصل العمل بها حتى بعد التحاقه بوظيفة حكومية، مخصصًا ساعات المساء وأيام الإجازات لإنتاج مياه الأعشاب داخل منزله باستخدام الأدوات التقليدية، محافظًا على مهنة توارثتها الأسرة عبر الأجيال.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن خبرة الحاج سعيد تجاوزت حدود القطيف، إذ تعلّم منه أحد الزوار القادمين من مملكة البحرين أساليب التقطير التقليدية، قبل أن ينقل هذه المعرفة إلى بلاده، في دلالة على المكانة التي بلغتها هذه الصناعة محليًا وإقليميًا.

كما برز اسم الحاج محمد علي العبد رب النبي، ثم ابنه الحاج عون محمد العبد رب النبي، اللذين واصلا إنتاج مياه الأعشاب بمختلف أنواعها، واشتهرا خصوصًا بصناعة ماء الورد الذي كان يُحضَّر موسميًا من ورود الجارودية، حيث كانت تُقطَّر آلاف الورود يوميًا للحصول على منتج عالي التركيز والجودة.

ولم تقتصر هذه الحرفة على الجانب العلاجي، بل شكّلت جزءًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في القطيف، إذ كانت منتجاتها تُستخدم في الطب الشعبي، والعناية الشخصية، والمناسبات الاجتماعية، كما ارتبط أصحابها بعلاقات مع وجهاء المنطقة والأدباء والمزارعين، ما منحها مكانة خاصة في الذاكرة المحلية.

ومع توسع العمران وتغيّر أنماط الحياة، بدأت هذه المهنة بالتراجع تدريجيًا، قبل أن تختفي من القطيف، لتتحول إلى صفحة من صفحات التراث التي توثق جانبًا مهمًا من تاريخ الصناعات التقليدية في المنطقة، بعدما ظلّت لعقود شاهدًا على مهارة الحرفيين وقدرتهم على الاستفادة من النباتات المحلية في إنتاج مستحضرات طبيعية ذات قيمة صحية وعطرية.

ويؤكد هذا الإرث أن القطيف لم تكن معروفة بالزراعة وصيد اللؤلؤ فحسب، بل احتضنت أيضًا صناعات تراثية متخصصة، من بينها صناعة تقطير الأعشاب والعطور الطبيعية، التي أسهمت في تشكيل جانب من الهوية الاقتصادية والثقافية للمنطقة.

 

المصدر: يستند هذا التقرير إلى المادة التاريخية التي وثقها الباحث أحمد بن جواد السويكت حول تاريخ صناعة مياه الأعشاب في بلدة الدبَّابية، والتي حفظت جانبًا مهمًا من ذاكرة القطيف وتراثها الحرفي، مع إعادة صياغة المادة صحفيًا بما يحافظ على مضمونها ويبرز قيمتها التاريخية.

المصدر: علوم القطيف