الاحساء-زهير بن جمعة الغزال
اوضح ذلك المهندس . ماجد ابوزاهرة:
تشهد سماء السعودية و العالم العربي مساء اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 واحدة من أبرز وأجمل الظواهر الفلكية المرئية خلال العام حيث يظهر كوكبا الزهرة والمشتري في حالة اقتران ظاهري قريب فوق الأفق الغربي بعد غروب الشمس في مشهد سماوي يجمع ألمع كوكبين في السماء ضمن مساحة صغيرة من القبة السماوية.
ويعتبر هذا الحدث من أهم مناسبات الرصد الفلكي لعام 2026 إذ سيتمكن الراصدون من مشاهدة الزهرة والمشتري متجاورين في منظر جميل يسهل رصده بالعين المجردة من مختلف أنحاء العالم العربي شريطة توفر أفق غربي مكشوف وصفاء في الغلاف الجوي.
يحدث الاقتران عندما يبدو جرمان سماويان قريبين من بعضهما في السماء كما يريان من الأرض رغم أن المسافة الحقيقية بينهما في الفضاء تكون شاسعة جداً. ويُعد الاقتران من الظواهر الفلكية الشائعة الناتجة عن الحركة المستمرة للكواكب حول الشمس إلا أن بعض حالات الاقتران تكون أكثر تميزاً من غيرها خاصة عندما تشمل أكثر الأجرام لمعاناً في السماء.
يكتسب هذا الاقتران أهمية خاصة لأنه يجمع ألمع كوكبين في السماء في مشهد واحد منخفض فوق الأفق الغربي بعد غروب الشمس. ويظهر الزهرة بقدر ظاهري يقارب (-3.9) بينما يبلغ لمعان المشتري نحو (-1.7) ما يجعلهما أبرز جرمين في السماء بعد الشمس والقمر ولهذا سيكون من السهل التعرف عليهما حتى من داخل المدن رغم التلوث الضوئي.
وعند ذروة الاقتران سيفصل بين الكوكبين نحو 1.5 إلى 1.6 درجة فقط وهي مسافة زاوية صغيرة تعادل تقريباً ثلاثة أضعاف القطر الظاهري للقمر البدر وسيؤدي هذا التقارب الظاهري إلى ظهور الكوكبين متجاورين في سماء المساء.
وسيتمكن الراصدون من رؤية الكوكبين معاً في مجال رؤية المنظار مثل 7×50 أو 10×50 ما يضفي جمالاً إضافياً على المشهد. أما مستخدمو التلسكوبات الصغيرة فسيتمكنون من رؤية قرص الزهرة بوضوح إضافة إلى مشاهدة المشتري وربما أقماره الأربعة الكبيرة المعروفة بأقمار غاليليو بحسب ظروف الرصد وجودة المعدات المستخدمة.
وسيظهر الكوكبان في اتجاه الغرب إلى الشمال الغربي بعد الغروب ضمن حدود كوكبة التوأمين بالقرب من النجمين اللامعين كاستور وبولوكس ما يمنح الراصدين مرجعاً سهلاً لتحديد موقعهما في السماء والتعرف على المشهد بين نجوم الخلفية.
ورغم أن الذروة ستكون مساء اليوم فإن الاقتران لن يكون حدثاً مقتصراً على ليلة واحدة فقط بل سيكون مرصودا أيضاً خلال عدة أمسيات قبل وبعد هذا التاريخ وسيتمكن المهتمون من متابعة اقتراب الكوكبين تدريجياً من بعضهما خلال الأيام السابقة ثم مراقبة تباعدهما من جديد بعد موعد الذروة وهو ما يوفر فرصة ممتازة للتصوير الفلكي ومتابعة حركة الكواكب عملياً بين النجوم.
وتكمن أهمية هذه المشاهدات في أنها تسمح برؤية الحركة المدارية للكواكب بصورة مباشرة على مدى أيام متتالية حيث تتغير مواقعها الظاهرية بالنسبة لخلفية النجوم الثابتة في تذكير حي بأن جميع كواكب المجموعة الشمسية تتحرك باستمرار في مداراتها حول الشمس.
إضافة لذلك ستشهدها سماء المساء خلال الفترة نفسها أن كوكب عطارد سيقترب من المنطقة ذاتها بعد يومين تقريباً من الاقتران لينضم إلى المشهد منخفضاً فوق الأفق الغربي مكوناً ما يشبه تجمعاً كوكبياً يضم الزهرة والمشتري وعطارد في منطقة واحدة من السماء وهو منظر يستحق المتابعة من قبل هواة الرصد والتصوير الفلكي.
ورغم أن الزهرة والمشتري سيبدوان متقاربين جداً للعين المجردة إلا أن هذا التقارب ظاهري فقط ناتج عن تأثير المنظور الهندسي واصطفافهما على خط النظر من الأرض. فالمسافة الحقيقية بين الكوكبين أثناء الاقتران ليست صغيرة إطلاقاً؛ إذ سيكون الزهرة على مسافة 180 مليون كيلومتر من الأرض بينما يبعد المشتري نحو 900 مليون كيلومتر وبالتالي فإن الكوكبين يفصل بينهما في الواقع مئات الملايين من الكيلومترات، لكنهما يبدوان متجاورين في السماء بسبب موقع الراصد على الأرض وتأثير المنظور الهندسي تماماً كما قد تبدو الأجسام البعيدة متقاربة عند النظر إليها من زاوية معينة رغم تباعدها الكبير في الواقع.
بشكل عام هذه الظاهرة طبيعية ومتكررة ولا ترتبط علمياً بالزلازل أو البراكين أو الأحوال الجوية أو التغيرات المناخية أو أي أحداث أرضية أخرى. كما لا توجد أي أدلة علمية تثبت وجود تأثيرات خاصة لاقترانات الكواكب على البشر أو البيئة أو النشاط الجيولوجي للأرض وهي ادعاءات تكررت عبر عقود طويلة دون أن تدعمها أي دراسات علمية موثوقة.
وينصح الراغبون في رصد الظاهرة باختيار موقع يتمتع بأفق غربي مكشوف بعيداً عن المباني المرتفعة والعوائق الطبيعية والبدء في الرصد بعد نحو 30 إلى 45 دقيقة من غروب الشمس حيث يكون الكوكبان قد برزا بوضوح في الشفق المسائي قبل أن يقتربا تدريجياً من الأفق ويغيبا.
يمثل اقتران الزهرة والمشتري فرصة مثالية للتواصل مع السماء ومشاهدة أحد أجمل العروض الطبيعية التي تقدمها حركة الكواكب في النظام الشمسي. فالمشهد لا يجمع فقط ألمع كوكبين في السماء بل يتيح أيضاً فرصة لفهم كيفية حركة الأجرام السماوية وإدراك الفارق بين الاقتران الظاهري والتقارب الحقيقي في الفضاء في لوحة كونية بديعة تؤكد أن السماء ما تزال تزخر بمشاهد مبهرة تجمع بين الجمال والدقة العلمية وتلهم الإنسان لمواصلة التأمل والاستكشاف.







