جمال المطوع

الإِيثَارُ خُلُقٌ إِنْسَانِيٌّ رَفِيعٌ عِنْدَ أَغْلَبِ البَشَر، وَهُوَ يَنْبَعُ أَسَاسًا مِنَ الوِجْدَانِ وَالضَّمِير، وَأَنَّهُ مِيزَانٌ أَخْلَاقِيٌّ فِطْرِيٌّ مُتَأَصِّلَةٌ جُذُورُهُ، وَجَاءَتْ تَعَالِيمُ الدِّينِ الحَنِيف لِتُؤَكِّدَهُ وَتَحُثَّ عَلَيْه وَتَدْعُوَ إِلَى تَبَنِّيهِ بِشَكْلٍ يُؤَسِّسُ إِلَى حَيَاةٍ إجْتِمَاعِيَّةٍ مَتِينَة وَمُتَمَاسِكَة فِي أَشَدِّ المَوَاقِفِ وَأَصْعَبِهَا، وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ الوَاقِعَ يَقُولُ إِنَّ الإِيثَارَ عَادَةٌ فِطْرِيَّةٌ غُرِسَتْ لَدَى كُلِّ مَخْلُوقٍ حَي، وَمِنْهَا عَلَى سَبِيلِ المِثَال لَا الحَصْر نُشِيرُ إِلَى عَالَمِ الطُّيُور مَثَلًا، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي هَيَّأَتْ وَجَعَلَتِ المَخْلُوقَات (أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) تَعِيشُ ضِمْنَ أَنْظِمَةٍ دَقِيقَة وَتَتَعَاوَنُ فِيمَا بَيْنَهَا لِإسْتِمْرَارِيَّةِ البَقَاء وَهُوَ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ دُرُوسًا لِبَنِي البَشَر فِي الرَّحْمَة وَالمَوَدَّةِ وَاللِّينِ وَالتَّعَاوُن وَالمُشَارَكَةِ الفَعَّالَة.

وَفِي هَذَا السِّيَاق نَنْطَلِقُ إِلَى مَا نَوَدُّ الإِشَارَةَ إِلَيْهِ أَنَّ أَحَدَ الإِخْوَةِ الأَفَاضِل أَرْسَلَ لِي مَقْطَعَ فِيدْيُو ذُو فَائِدَةٍ عَظِيمَة يُحَاكِي تَجْرِبَةً فِي الإِيثَارِ في تَجرِبةٍ بَيْنَ طَائِرَيْنِ مِنَ البَبَّغَاوَات، وَكَيْفَ إنَّ إِحْدَاهُنَّ آثَرَتْ بِطَعَامِهَا إِلَى مَثِيلَتِهَا عَلَى نَفْسِها، مِمَّا كَانَتْ تَأْكُلُهُ عِنْدَمَا وَجَدَتْأَنَّ مَثِيلَتَهَا لَيْسَ عِنْدَهَا مَا تَقتَاتُ، فِي تَجْرِبَةٍ فَرِيدَةٍ قَامَ بِهَا العُلَمَاءُ لِيُبَيِّنُوا لَنَا أَنَّ إِنْكَارَ الذَّاتِ لَيْسَ حِكْرًا عَلَى بَنِي الإِنْسَان، وَإِنَّمَا هَذِهِ الصِّفَات مِنَ التَّضْحِيَة يَشْتَرِكُ فِيهَا كُلُّ المَخْلُوقَاتِ الإِلَهِيَّةِ عَلَى شَتَّى أَصْنَافِهَا.

وَهَذِهِ التَّجَارِبُ هِيَ دُرُوسٌ بَنَّاءَةٌ وَجَوْهَرِيَّة، وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ فَمِنْ بَاب أَوْلَى أَنْ يَنْعَكِسَ هَذَا السُلُوك عَلَى وَاقِعِنَا كَمُجْتَمَعٍ يَتَمَثَّلُ بِقِيَمٍ وَمَبَادِئَ مُرْتَبِطَةٍ إرْتِبَاطًا بِمَا سَنَّتْهُا لشَّرِيعَةُ الغَرَّاء لِفَاعِلِهَا مِنَ الأَجْرِ وَالثَّوَاب، وَنَحْنُ أَحْوَجُ مَا نَكُونُ إِلَى العَمَلِ بِهِ وَالحَثِّ عَلَيْه، وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى التَّقْتِير عَلَى أَنْفُسِنَا فِي سَبِيلِ سَدِّ حَاجَةِ الآخَرِين وَمَنْ هُمْ فِيوَضْعٍ أَصْعَبَ مِمَّا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَمِصْدَاقًا لِذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة).

أو كما قال أمير المؤمنين ويعسوب الدين الإمام علي إبنَ أبي طالب عليه السلام

“الإيثار أعلى الإيمان”، و”الإيثار سَجِيةُ الأبرار*

وَمِنْ هُنَا عَلَيْنَا جَمِيعًا نَشْرُ هَذِهِ الثَّقَافَةِ الإنسَانِية والإِسْلَامِيَّة بَيْنَ أَبْنَاءِ المُجْتَمَعِ الوَاحِد، بَلْ نَشُدُّ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ عَلَى مَنْ يَتَجَسَّدُ فِيهِ العَطَاءُ مِنْ غَيْرِ مُقَابِلٍ، وَهُوَ خُلُقٌ وَسُلُوكٌ إِيجَابِيٌّ فَعَّالٌ فِي مُسَاعَدَةِ كُلِّ مُحْتَاجٍ وَمُعْوِز، حَتَّى لَا تَضْطَرَّهُ الظُّرُوفُ إِلَى طُرُقٍ فِيهَا مِنَ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ مَا لَا يُحْمَدُ عُقْبَاه.

وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَق يَجِبُ أَنْ يَتَكَاتَف الجَمِيعُ كَيَدٍ وَاحِدَة عَلَى نَشْرِ هَذِهِ السَّجِيَّةِ الَّتِي هِيَ جَوْهَرَةُ النَّفْس، وَمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الإِيثَارِ وَالتَّضْحِيَة فِي التَّعَاضُدِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّفَاعُلِ المُشْتَرَكِ فِي خَلْقِ التَّرَابُطِ بَيْنَ الأَفْرَادِ وَالجَمَاعَاتِوَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.